حين يكون الشعب شيزوفرينيا

حين يكون الشعب شيزوفرينيا مريضا ومرضه الذهول! وينظر إلى الأحداث التي تجري حوله على أنها خطيرة أو تافهة، فإما أن يخاف منها أو لا تلفته على الإطلاق. هنا لا بد لنا من صدمة عنيفة حتى نعيد إليه وعيه ووجدانه. ما تعيشه أغلب الدول العربية في الآونة الأخيرة يتطلب منها الكثير من الحكمة والبصيرة، وليس الغرق في الذهول والعيش في نعاس وصمت رهيبين.
مهمة كهذه ليست سهلة على الإطلاق، فنحن أمام شعوب تائهة، لم تتخلص بعد من العبودية التي ورثتها من أجدادها، فتجدهها متكدسة حول الحاكم الذي يبدو كإله من تلك الهالة، وما إن يفتح فمه حتى تهتز الجموع مبهورة مهللة، شعوب خائفة ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑأبسط حقوقها، ﻏﻴﺮ قادﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺸﺨﻴﺺ واقعها، ﻭﺗﺤﺪﻳﺪ مكان العلة، ﻭالسعي وراء ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺪﻭﺍﺀ، ﻭحتى لو عرفت الدواء فليس لها ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﺪﻭﺍﺀ ﺍﻟﻨﺎﺟﻊ، الدواء الذي يتطلب صبرا ونفسا طويلا حتى يأتي بنتيجة.

إن السلاح الوحيد والفعال لإنجاح هذه المهمة هو الكتاب، إذ يجب أن يتم وبشكل مستعجل غزو المواطن العادي بكتب عظيمة تخرجه من غرفته إلى الشارع، وتملأ صدره باهتمامات وهموم جديدة، هموم تكشف له الطريق إلى حياة الشرف والكرامة والحرية التي لم يكن يعلم أنها موجودة أصلا. كتب ترغمه على رفض حياة تافهة، لا يحمل فيها سوى هموم شخصية حقيرة، أكل وشرب ونوم… كتب تزيل عنه هذا الذهول الخبيث الذي عشش في دماغه و يعجز عن إزالته لوحده.

قد نضيع سنوات من المحاولة دون نتيجة، لكن المحاولة أمر لا بد منه، من أجل مصلحة الجميع. سنبدأ بالبسطاء أمثالنا، ونغير الطريقة الخاطئة التي يعيشون بها.

كتب تحول هذا المواطن البسيط الذي صار كشبح ﻳﺴﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻮﺍﺭﻉ ﻭﺍﻷﺯﻗﺔ ﺑﻼ ﻫﺪﻑ، ﺑﺎﻟﻜﺎﺩ  يحس أنه ﻻ يزال ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، إلى مواطن حر يعرف ما له وما عليه، لينطلق ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ويخوض غمار الحياة برؤية جديدة وﺩﻭﻥ ﺃﺧﻄﺎء ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺓ. ﻫﺬﻩ اﻟﻤﺮﺓ ﺳينتبه ﺟﻴﺪﺍ ﻟﻺﺷﺎﺭﺍﺕ، سيتخلص من كل فكر سام، ﺳيهدم ﻛﻞ ﺍﻟﺠﺪﺭﺍﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻨاها بينه وبين باقي الناس ﻣﻌﺘﻘﺪﺍ ﺃﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺤميه منهم، سيفتح كل ﺍﻷﺑﻮﺍﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻏﻠﻘﻬﺎ. سيتحول إلى إنسان.

كتب تصدمه فتوقظه، وتزيد روحه سعة وعمقا، وتحمله إلى فضاء أكبر أرحب مما فيه الآن. فضاء يساعده على التعقل أكثر، ويملأ قلبه برغبات كبيرة وعظيمة كالحرية والثقافة والفن والثورة. كتب تساعده على التخلص من كل الأفكار المسمومة التي تجرعها طوال السنوات التي مضت. وسيتبدلها بأفكار جديدة خالية من كل تعصب وعنصرية.

أعلم أن هذه المهمة صعبة وقد تبدو مستحيلة، وأننا قد نضيع سنوات من المحاولة دون نتيجة، لكن المحاولة في هذه الحالة أمر لا بد منه، من أجل مصلحة الجميع. سنبدأ بالبسطاء أمثالنا، ونغير الطريقة الخاطئة التي يعيشون بها. قد يؤلمهم ذلك وقد تؤلمهم الأصوات بداخلهم التي ستنهاهم حتما عن الاستمرار والتداوي بالكتاب، قد يهربون منا ويحدثون الكثير من الضجيج بأفكارهم وآلاتهم حتى لا يسمعوا نصائحنا، لكننا يجب أن نستمر ويكون نفسنا طويلا حتى ننجح ونجاحنا سيكون عظيما.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

هبطت الأسهم العالمية بعد الهجوم الذي وقع في مدينة برشلونة الإسبانية أمس الخميس وبعد تزايد الشكوك في الولايات المتحدة بشأن قدرة الرئيس دونالد ترمب على تنفيذ أجندته الاقتصادية.

الأكثر قراءة