أكلتهم الديدان.. فاستنجدوا بالملك

blogs - مستشفى
ترتعد اليد حينما يعانقني الغسق رغبة بالعودة لعاداتي وأخط من جديد، بعدما هجرت تلك المنضدة بأقلامها، رتبت كل شيء بدرجها ولم أعد أشتري أوراقا عذراء، وصرت كثيرا ما أقفل الهاتف وأقطع خط الربط بالأنترنت، بل أحيانا أسكن الوحدة وأتمنى لو كنت متوحدا تزعجه الضوضاء فارتكن هذا الركن من الدنيا. لكن كلما رأيت الظلم متجولا بالأرجاء تمنيت الخروج والبصق على سحنته التي تقترف الجريمة ولا تستحي من الإنسان الأعزل وحكاياه المكلومة. لا بالكتابة التي لم تعد تجد نفعا بصحف أضحت تصلح سوى للاستعمالات المنزلية، لأن الميكرفونات لمن يدفع أكثر اليوم.
هي قصص كثيرة  توشمت بالذاكرة واحدة تلوى الأخرى، فيمسي الألم مؤرخا أكثر لقساوة منظر الرعايا، بل حزنا على حالهم أكثر إن استنجدوا بملكهم، فربما المصير زنازن انفرادية في سجن يشبه إلى حد كبير برادات الأموات، لماذا وكيف؟ ومن لديه الإجابة!؟ وإن لم يستنجدوا بعاهل البلاد، فمثلهم كمثل السيدة “أمي زهرة”،  تلك المرأة التي لم تفارق ملامحها مخيلتي وأنا أتابع أخبارها التي لم تدم أكثر من أيام محسوبة تدمي الفؤاد. فإلى دار البقاء اختارت روحها الطاهرة عن عمر يناهز 107 سنوات بعد صراعها مع المرض، فارقت الحياة وهي عزباء لا ولد ولا حفيد، بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، بعد أن تدهورت حالتها الصحية والتي لم ينفع معها علاج.

"أمنا زهرة" التي تم العثور عليها في منزل بإحدى العمارات التي كانت تشتغل بها كالبواب، قبل أن يكتشفها السكان في حالة استعصى على الأطباء انقادها، بعد معاناتها من التعفنات بأطراف جسدها والتي تعرضت لها منذ فترة طويلة، فقد وجدت مكسورة اليد وبقدم متآكلة بورم خبيث تعتليه ديدان.

مواطن مغربي من منطقة الشمال المغربي، أتى إلى مصحة الكلى في مستشفى مدينة
مواطن مغربي من منطقة الشمال المغربي، أتى إلى مصحة الكلى في مستشفى مدينة "فاس"، قاطعا مئات الكيلومترات لأجل موعد مع الطبيب، ليتفاجأ بأن الموعد المسجل على الورقة يعود إلى 12 أبريل 2018، وليس 2017؟!

لمن الدور الآن أيها القلم، هل لذلك الفلاح الذي سلبت منه أرضه جورا، أم لتلك المرأة الحامل التي ماتت على ظهر الحمير بمرتفعات الريف والأطلس، أم الأمازيغي الطاهر الذي ينتظر في طابور كيلومتري أمام قافلة طبية أجنبية من خلف الأفق سبقت أبناء الدار، أو ربما الدور على طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي لا تعرف أين هي أو حتى إن كانت حكومة وسياسة أصلا، فما بالك أن تشكو حالها لوزير الصحة أو مسؤول سامي.

يحكي صديقي الصحفي "علي" بالشبكة الأمريكية للإرسال،  يوم صادف مواطنا مغربيا يظهر من لكنته أنه من منطقة الشمال المغربي، أتى يوما إلى مصحة الكلي في مستشفى مدينة "فاس"، قاطعا مئات الكيلومترات لأجل موعد مع الطبيب، ليتفاجأ بأن الموعد المسجل على الورقة يعود إلى 12 أبريل 2018، وليس 2017؟!

شكرا أيها الاغتراب، الذي رمى بالرعايا أمام سيارات الملك، هروبا من ديدان الأورام، أو ربما ديدان أخرى ترتدي ربطات أعناق فاخرة!

الغلبان مندهشا يرجو الدكتور، أنه قدم من طنجة وحالته تتدهور يوما بعد يوم، فحتى مبلغ تذكرة السفر اقترضه من بقال الحي، ولا يقوى على تحمل الانتظار، قبل أن يجيبه أحد الأطباء، وعيناه منغرستان في هاتفه الذكي:
– سيدي نحن لا نعالج هنا، أذهب للمستعجلات واشك لهم حالك، ولا يهمني من أين أتيت، أنا قلت لك بأن الموعد بعد سنة، انتهى الكلام، يروي "علي".
يتركه مصدوما، ويغادر بوزرته البيضاء التي أقسم قبل أن يرتديها أنه سيعمل جاهدا على تقديم المساعدة وإنقاذ حياة المواطن!
المواطن المسكين يشتكي من آلام حادة ووهن يظهر على محياه، والمستشفى يحكم عليه بموعد بعد سنة. نعم هو حكم بالإعدام بطريقة الموت البطيء! والطبيب لا يقدم له أي توضيح من غير ما هو مكتوب في ورقة الموعد المتآكلة.

فكيف لا أتحدث إلى العالم ولو بالقلم، وبنو جلدتي تأكلهم الديدان فجرا بعد فجر، بالرغم أن صمتا حارا كالزقوم يقتحم كلماتك وإن اخترتها بعناية ويجعلك تكتفي بتأمل الملامح الصدئة.. والابتسامات المرتبكة كأرجل تلتمس المشي فوق سقف مهترئ قد يهوى في أي لحظة.. غير مكتمل، محسوب الثواني.  تحس بقهقهات قصيرة العمر، يختلط فيك ومنك يرمي بك في الأماكن الصامتة ويهتدي بك في الغسق لتتوارى عن الأنظار، يستطرد التناهيد منك ويمنعك من قول الحقيقة مكتفيا ببخار عمقك الذي يعانق رذاذ البحار صباح مساء، يستلطف بركان عقلك الذي صار يسبق الزمان فغادرته التفاصيل الفتية، ويحاور النسيان.

ويدنو طويلا بك بين تيارات الرياح بعيدا عن أخواتها الأيديولوجية، يهمس ويهدئ من روعك مومئا لك أنه يفهم الغصة وغياب الرضى، محاولا إنقاذك أو انتشالك من صخب الترهات وجنون الأحرف، بل مانعا إياك من التعليق عن  الأيادي الملطخة بأشكال الدماء واختلاف النتانة، فتصير كالنصب الصلصالي المندهش الآيل لليأس بأحاديث مرت وأخرى تأتي. يكبل السبابة والإبهام.. فيعلم قلمك الصيام، مكمما الفاه حتى لا يختلط الكلام مع نباح الساسة.

 هو جلاد عنيف وله في فلسفة صبر المواطن المغربي رأي آخر وألف جواب. بالوطن شكرا أيها الاغتراب، الذي رمى بالرعايا أمام سيارات الملك، هروبا من ديدان الأورام، أو ربما ديدان أخرى ترتدي ربطات أعناق فاخرة!