رابعة.. بين إنكار رمزيتها وإدراك دروسها

خلال أربعة أعوام مضت على مجزرة ميداني رابعة والنهضة في مصر قيل كلام كثير، استُخلصت عبر عديدة، تغيرت آراء وقناعات شتى، غير أن شيئاً واحداً بقي ثابتا، هو اتساع مدى الجريمة واستفحال تبعاتها، وتلك الحقيقة الموجعة بأن هناك دماء بريئة سالت وغيرها ما يزال يسيل، وأن السجون تمتلئ بالأحرار، وأن الظلام مطبق على مصر، ومعها الأمصار التي تتأثر بمصيرها فتنفرج أزماتها حينما تكون حظوظ الكرامة وافرة فيها، وتتضاعف مصائبها حين يُحكم الطواغيت قبضاتهم عليها.

 

قيل إن الاعتصام في مكان بعيد عن عصب الأماكن السيادية والحساسة كان خطأ، وإن عدم إزعاج الانقلاب مادياً لم يدفعه للتراجع، وقيل إن التعويل على خيار السلمية وحده كان مثالية ثورية مفرطة في التوهم، وإن المراهنة على حتمية انتصار العالم للمعتصمين السلميين وعدم سماحه بإبادتهم أمام الإعلام كان محض خيال.. وهذا كله صحيح، فدروس الحدث مهما كانت قاسية يجب ألا تغيب عن البال، ومراجعة المسارات تظل لازمة لأي تجربة. لكن الاعتصام بما يعنيه من إرادة ترفض التسليم بالانقلاب على خيارات الشعوب ظل علامة تفوّق لأهل رابعة، ثم كان الفضّ الوحشي للاعتصام وصمة عار أبدية في جبين مقترفيه، لن يسجل معها التاريخ أن حدث الانقلاب الكارثي مرّ دون ممانعة، وأنه ثبّت أركانه بهدوء ودونما دماء، أو أنّه كان متقبَّلاً لمجرد أنه نُفّذ بقوة السلاح واستناداً إلى تفويض مسرحي جرى إخراجه بالاستناد إلى تضليل إعلامي كبير.

 

تلك الجماهير الناطقة بالصدق والالتحام الفذّ مع قضيتها لم يكن يعوزها الإصرار ولا القدرة على الصمود أياماً غير معدودة في الميادين، كانت عوامل الصمود حاضرة وفائضة وجمة، إنما كان يعوزها الساعد القوي، القادر على مناجزة الانقلابيين والحد من بطشهم، فالاستعداد للثبات ولبذل الدم كان يفتقد قوة تلجم المجرمين وتردّ بأسهم، رغم أن ميدان رابعة كان يشكّل للمنحازين للثورة والحرية على امتداد العالم حلماً ينتظر التحقق، حلماً بأن تفلح السلمية في جني ثمار قد يبددها السلاح، لكنّ دوي الرصاص كان أعلى من صوت الهتاف، رغم صدق الأخير وتفوقه الأخلاقي على الأول.

لم تكن الصدمة بمجزرة رابعة من نصيب أبناء المدرسة الإخوانية على امتداد العالم وحدهم، بل أصابت كلّ من انتظر الخلاص من عهد الطغيان، واستبشر بربيع يمكن أن تلوح بركاته دون دم كثير وخسائر مؤلمة

كان الحق دون قوة يبدو حسيراً مرتجفاً وسط أهوال من البطش والإجرام والمكر، فانهار الحلم، ودام الظلام، وانكسر شعاع النور الخافت الذي كان يبحث عن موطئ قدم له في عهد الربيع الجديد، وثبت أن الأخلاق وحدها لن تكون ضامنة التفوق المادي حين يكون عدوّها متجرّداً من القيم، ومن شرف الخصومة، ومغرقا في بغيه.

 

لم تكن الصدمة بمجزرة رابعة من نصيب أبناء المدرسة الإخوانية على امتداد العالم وحدهم، بل أصابت كلّ من انتظر الخلاص من عهد الطغيان، واستبشر بربيع يمكن أن تلوح بركاته دون دم كثير وخسائر مؤلمة، لكن حقائق الأشياء والتحوّلات الكبرى لم تكن تجامل أحدا، وظلّ مؤشرها شاخصاً نحو الطريق الدامي المفضي للخلاص.

 

وصار لنا الآن بعد أن رأينا كم كان مهولاً عددُ المنتفعين من ذلك الانقلاب أن ندرك لماذا أُجهضت تجربة الحرية الكبرى في العالم العربي، ولماذا صمت العالم عن ذبح أنصارها، ولماذا ستظل تجارب التغيير تسير في حقل من الألغام وسط جمع غفير من الأعداء، بعضهم معلومون، وآخرون؛ الله وحده يعلمهم.

 

لكنّ كل ذلك لا يبرر وجهة نظر من ينكر الإشادة بمناقب المعتصمين وامتداح شجاعتهم وصمودهم حتى مع توقّع كثير منهم لمصيرهم، ولا يبرر تطرّف من يرى أن الدماء أزهقت دون جدوى، رغم أن غياب الجدوى من الاعتصام (في حال التسليم بهذا الاعتقاد) لا يقدح في شجاعة أهله وقدرتهم العالية على الصمود، لأنه سيظل درساً تاريخياً في الثبات والانحياز للحق وإنكار الباطل، وعدم الاستسلام لإملاءاته، والعمل على إبقاء شرعيته مشوّهة ومقترنة في وعي الناس بالظلم وسفك الدماء، وهذا ما كان ليتحصّل لو لم تتجسد رمزية اعتصام رابعة بفعل صمود أهلها، مع التسليم بأن إرادة العزّل لا تكفي لدحر الظلام حتى وإن امتلكوا الحق كله.



حول هذه القصة

شارك مئات الكشميريين في مسيرة احتجاجية في الشطر الذي تسيطر عليه باكستان من إقليم كشمير، للتنديد بما وصفوها بسياسات الهند التعسفية في حق أهالي الجزء الخاضع للسيطرة الهندية من الإقليم.

16/8/2017

شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على ضرورة التصدي لظواهر العنصرية والإسلاموفوبيا ومعاداة السامية والأجانب، التي ظهرت في أعقاب مظاهرات وأعمال عنف اندلعت بولاية فرجينيا.

16/8/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة