حَجَرٌ في الماء!

كل الدوامات الدائرية التي يصنعها حجرٌ بسيطة في بركةٍ صغيرة تهدأ مع الوقت. يبدأ الأمر بثِقلٍ يحرّك الراكد فيضطّرب، ثم تمضي الدوائر إلى التلاشي نحو المركز ليعود كل شيءٍ مثلما بدأ: هادئٌ، مستقيمٌ، لا يحمل للمشهدِ التشوّه الذي كان. تلك التوازُنات المطلوبة، بعد إلقاء الحجر، لا تأتي هكذا سريعًا، وربما لا تأتي لكل الخلقِ على قدر المساواة، فالفهمُ والخبرةُ ناتجا التجربة، ولا تكون الحكمةُ إلا بما صنع الزمان.
التجربة التي تَلِدُ والدَها، والحجرُ الذي تنبعث منه في نفسِك الدوّامات، فتثور عليك لتهدأ بعد الاختيار والاختبار. فكم مرة تسأل عن السبيل! وكم مرة عرفت السُبل بعد أن تحركت قدماك؟ نعم، أنت لن تعرف الطريق حتى تختبر الأروقة، فتعرف ما ينفعك وما لا يجب الخوض فيه، ومن هنا يأتي الاتزان. اتزان المُجرِّب الذي بصر النظريات على أرضِها، فعرف أن دراسة الفلك أعقد من أفلام هوليوود، وأن نجاح الشغف لا يتم دون ممارسة. المُجرِّب الذي استقرأ التنظير من الواقع، وأدرك التصحيح بأبعاد التطبيق.

وهكذا.. يتزن العقلُ بالقلبِ، وتستيقظ بما أُنير فيه بواعثُ الحكمة، فتكسبك التجربةُ خطأً لا تعود إليه، ويعلّمك الإخفاق أن التجهّزَ أبصر للقلبِ من نيران الغضب. فتنتظر بعد النظر وتتفكّر قبل التحرّك، فإذا استقرّ الميزان غلب العقلُ في موضعِه، وانتصر القلبُ فيما انبغى فيه الانتصار. ثم إذا استقرّت العاطفة بالتفكير اتّزنت، فتحكم على التفكير بعقلها الرقيق ولا خوف، فالقلبُ يعقل ولا يشطط وقد اهتدى سابقًا بعدما أُسقِط في مائه الحجر. فلا تكون كل الحسابات على الأوراقِ بالقلم، وإنما في فضاءِ الروحِ متسعٌ للأحكام. نعم، ففي قلبِك مجالٌ للرؤية، وفي العقلِ مُتّسعٌ للاختيار.

الأمور لم تكن لتمضي على سُنّتها لولا إخفاق أديسون تسعمائة مرة قبل صنع المصباح. وأنا أحسبُ أن خطواتٍ أربع يحكمن صناعة الإنسان الذي أخذته التجربة بوجهٍ غير الذي أخرجته.به.

وإنّي أذكرُ قولًا لأحدِهم، عن إنسان ما قبل/بعد التجربة، مفاده أنك لو غفلت عن أهمية الغضب لأجل الظلم المنتشر في العالم وأنت في سن العشرين: فأنت لا قلب لديك، أما إن ظل اعتقادك في الصوابية المطلقة لهذا الاختيار في رفع الظلم بعد الثلاثين: فأنت لا عقل لديك! فيقول الرجل ببساطة أن التجربة تصنع الحكمة من باطن الثورة، والنضج من قالب الاندفاع. ولكن أي تجربة وأي مُجرِّب يقدران على صنع الصواب من الخطأ؟ ذلك الذي لا يكون خطأً واضحًا حينها، ولكنه يتجلّى بعد اكتشاف الصواب، لتعرف أن الأمور لم تكن لتمضي على سُنّتها لولا إخفاق أديسون تسعمائة مرة قبل صنع المصباح. وأنا أحسبُ أن خطواتٍ أربع يحكمن صناعة الإنسان الذي أخذته التجربة بوجهٍ غير الذي أخرجته به. وبيانها كالآتي بإيضاح:
1- صدق الرغبة:
أن تسلك الطريق بعزم المريد لا هوائية المُجرِّب. فلا تقل: هي تجربة قد تصيب، ولكن اصدق في طلب الصواب تؤجر حتى على خطئك غير المقصود. فإن تختبر الوسيلة بإرادة الراغب في النجاح وعقلية المتحسّب للخطأ، تجتهد بقلب المؤمن حتى يتضح الطريق. وهذا مناط الاجتهاد الذي يؤجر عليه الفقيه –مثلًا- لأنه يصدق البحث عن الحقائق، فيستوثق من دليله بصدق رغبته في البلوغ، فإن بلغ به كان ما تمنّى، وإن لاح عجزُه عرف طريقًا لا تنبغي العودة إليه. وتلكم واحدة.

التجارب تختلف فإن رؤاها تتباين وتحليلاتها تتمايز بتمايز الأفهام والإدراك. فلو كان للمرء حق الانتفاع من الموروث الإنساني، فإن واجبه أن يثري العقل البشري والوجدان الإنساني

2- مرونة التراجع وصلابة الثقة:
وهذه من تلك والثانيةُ من الأولى، فمن صدق تواضع لخطئه وحثّ الخُطى للإدراك قبل الفوات، فيسمع من السابقين ويتفاعل بخبرات الغير مع ذاتية التجريب، وهي المرونة التي تحفظ صاحبها من الغرور وأن يعتد بنفسه على جهل. ولكنها تستوجب الموازنة مع الثقة لئلا نعالج الكِبر بالإحجام، ولا تكون الثقة إلا بوضوح النية واستمرار الاستخارة وصدق الاستنصاح. فتأتي الموازنة بأن تتجرّد من الهوى لتكونَ المرونة، وأن تحترم خبرتك التي اكتسبت وقدرتك التي اختبرت لتحيا فيك الثقة. ثم..

3- التجرّد وقت المخالطة:
أن تنظر للماوراء من مكانك، فتسأل: ماذا بعد الآن، ثم ماذا بعد الوصول؟ فتسترشد بمصير السابقين وتتأمل في حماسة اللاحقين، وأنت في المنتصف تحسب حظوظك مع اعتبار التمايز الفردي ونسبية النجاح بين البشر، فتخرج من تجربتك مرتفعًا إلى السماء، فتنظر بعيني الطائر المُحمّل بخبرات المسير، وترى ما قطعته كيف كان وما تتوقع أن يكون كيف سيكون، وفي يديك المفاتيح الثلاثة: هُدى من سبق، وحماسة من لحق، واستقراءك للأمر من خلال ما مرّ. فترسم مُربّعك الذي ينتظر ضلعه الرابع بعد الوصول، لتحاكم التجربة وتستنبط ما تريد.

4- المعايشة بعد الانقضاء:
الآن وقد لامست خط الوصول وانتهى بك المسير، تجلس على حافة الشاطئ حتى تجفّ الثياب قبل الاستئناف، فالرحلة لا تنقضي والتجارب لا تنتهي حتى ينتهي الحضور. فتسترجع ما أردته قبل البدء وما تحصّلت عليه بعد القضاء، وتستحضر شعورك الذي خالطك في مراحل السير وخبراتك التي تلقيتها فيه، ثم تضع الميزان بالقسط فتحسب معادلة المرغوب مستقبلًا والمتاح الآن، وتنتبه للفارق بين رغبة الجاهل قبل البداية وإدراك الخبير في النهايات، فتحكم على التجربة بمعايشة الممارس لا انفصال المنقطع. وكذا يتزن الحال وتتضح الأحكام.

هذه هي التجربة كما أراها، والتي ربما نلتقي في رؤيتها وربما لا، وربما نتقاطع ثم نفترق. فكما أن التجارب تختلف فإن رؤاها تتباين وتحليلاتها تتمايز بتمايز الأفهام والإدراك. فلو كان للمرء حق الانتفاع من الموروث الإنساني، فإن واجبه أن يثري العقل البشري والوجدان الإنساني، في مجموعه، بقدر ما يستطيع. وما المذكور أعلاه إلا حجر في الماء كحجر التجربة في ماء الروح وأنهار العقل. فإن كان التعبيرُ مجرّدًا بعض الشيء فهو راجع للرغبة في اتساع مدى الإفادة وعدم الحصر بالإسقاط، فيأخذ كل قارئٍ المقياس ليقيس به حالته، ويُسقِط كل ممارسٍ ذاك المكتوب على واقعه، شريطة أن تكون التجربة راشدة في ذاتها ولا تسعى لإثمٍ أو مكروه حتى تكون البركة ويصدق التوكل، ويشمل ذلك ما كان ذاتيًا من التجارب أو موضوعيًا، وفرديًا أو جماعيًا. فإن كان فيما كتبت توفيقًا لخيرٍ فمن الله، وإن كان منه التقصير والزلل فمن نفسي وقصور الإنسان، وقد رجوت منه النفعَ قدر التمكّن والإفادةَ قدر المُستطاع.



حول هذه القصة

مددت المحكمة الإسرائيلية اعتقال رئيس الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر الشيخ رائد صلاح ثلاثة أيام، وبررت ذلك باستكمال التحقيق معه بتهم تتعلق بالتحريض على العنف والإرهاب والعضوية في تنظيم محظور.

15/8/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة