"المواطن مصري" صورة من مأساة مصر

صلاح أبو سيف ليس مجرد مخرج سنيمائي؛ ولكنه رجل ممتلئ عن آخره بكل ما تحمله مصر من هموم وأحزان، بل تكاد كل أعماله تعبر عن أعمق قضايا مصر الكبرى. وقد عاد بعد انقطاع طويل ليلقي على عقولنا الخاملة في عام 91 قنبلة الموطن مصري، ذلك العمل الذي يحتاج أن يقرأه بعمق كل ثائر في مصر ويرجو تحريرها من الخونة، لأنه يضعنا أمام أنفسنا في مسألة رؤية ذلك المواطن المصري المسحوق بكل أدوات السلطة وبكل الفقر المتراكم من أعمار الأجداد الذي يرثه جيلا بعد جيل، ويضعنا أمام تصوراتنا الواهمة التي نطلقها في جلساتنا ليل نهار أن هذا الشعب غير قابل للتحرر ولا يستحق التضحية، وكأن كل التاريخ وكل الشعوب تتحرك من تلقاء نفسها وتغير واقعها البائس.

كل أحداث العمل الفني تعلن عن سرقة شعب مصر بداية من الأرض ونهاية بالحياة ذاتها؛ ففي البداية تُنزع الأرض من الفقراء وتحمي كل منظومة "العدالة" في مصر عملية الانتزاع بداية من القضاء وحتى مؤسسة الشرطة، فالقانون ذلك الأعمى بشكل مطلق في مصر الذي لا ينظر إلا إلى الأوراق التي تُصنع في المنظومة البيروقراطية، وهي التي استطاعت تجنيد مصري بدلا من توفيق وسط كم هائل من الرشاوى والتزوير، وهي التي أماتت مصري وهو حي يرزق؛ تلك هي البيروقراطية والقانون التي انتزعت الأرض من فقراء مصر.

وأوضح أيضا أن الاستثناء من القهر والظلم يرتبط فقط بخدمة أصحاب الياقات البيضاء في مصر، فأرض عبد الموجود لم تُنتَزع منه لأنه قدم ابنه -ابن الشعب- فداء لتوفيق ابن السلطة، فالسلطة هي الحاكمة في مصر وهي التي توهب الحياة والموت لأبناء الشعب وهي التي تمنح وتمنع.

كل ما قدمه صلاح أبو سيف وخاصة في فيلمي بداية ونهاية والزوجة الثانية استطاع أن يمهد بهم الأرض لعمله الختامي المواطن مصري الذي كان قمة الإيضاح لقهر المواطن المصري.


إن كل ما قدمه صلاح أبو سيف وخاصة في فيلمي بداية ونهاية والزوجة الثانية استطاع أن يمهد بهم الأرض لعمله الختامي المواطن مصري الذي كان قمة الإيضاح لقهر المواطن المصري، وكانت أكبر لمحات القهر في المشهد الختامي عندما عجز الأب أن يعلن أن أبناء الفقراء من هذا الوطن هم من يضحون في سبيله أو على الأقل يحتضن جثمان ابنه الشهيد، ولكن للأسف دائما ما تكون التضحية زائفة وتتحول لأن تكون لصالح أبناء السلطة. فمشهد الجثمان الممدد واقتراب الأب المرتعش من ابنه ودموع القهر الممزوجة بالفقر وقلة الحيلة كانت تستحق أن تكون المشهد الختامي لصلاح أبو سيف وهو يروي حكاية مصر عبر كل العصور.

يستطيعون أن يجعلوه يؤمن يقينا أن اسم ولده لن يزال من قائمة الشهداء ليوضع اسم توفيق عبد الرازق بدلا منه. عندما يستطيعون فعل ذلك فسيجدون تلك الملايين عادت مرة أخرى تضحي بنفسها.

إن هذه الصورة المؤلمة ينبغي على من يحاول تحرير مصر أن يدركها، فبطل حكاية المواطن مصري الذي مات بدلا من ابن السلطة وأبوه المصري المقهور الذي تعاطف معه الجميع في بكائه على ابنه الشهيد وعجزنا أنلومه أم نعذره في ضعفه؛ هذان الرجلان يمثلان قطاعا كاسحا من شعب مصر الذي يلام الآن على ضعفه في مواجهة السلطة، وأنا لا أعرف كيف يمكن لومه وهو محاصر بالجميع؛ فالكل يسحقه والكل يحطمه ويطلب منه الجميع أن يخسر الورقة الوحيدة في يده وهي حياته، ويتناسون أن خبرته السابقة تنبئه أن حتى حياته عندما يضحي بها تكون التضحية لأصحاب الياقات البيضاء.

تلك الخبرات المتراكمة لهذا القطاع العريض تنبئه أن كل هؤلاء الذين يدفعونه إلى المجهول يستخدمونه لتحقيق مصالح ليس له فيها ناقة ولا جمل، وكان الاستثناء الوحيد هو ما حدث يوم 14 أغسطس وما تلاه وسبقه من أحداث، فقد وجد بارقة أمل أن حياته التي يضحي بها ربما تكون هذه المره لسبب مختلف لصالح شيء ما صالح، وما يؤكد ذلك هو الاندفاع غير المسبوق خاصة يوم 16 أغسطس في كل مصر سعيا وراء الحلم الذي يطارده كل هذا الشعب البائس منذ مئات السنين.

الواجب على كل من يعمل من أجل تحرير مصر أن يصنع الحلم لكل هؤلاء البؤساء، أن يزرع فيهم الثقة ويؤكد لهم أن تضحياتهم ستكون لهم ولن تكون مرة أخرى لصالح توفيق عبد الرازق الشرشابي، أن يجعلهم يؤمنون يقينا أن عبد الموجود المصري سيستطيع أن يحتضن جثة ابنه الشهيد دون خوف من كل السلطات التي كانت تحيط به تنتظر تحطيمه إذا تجاوز حده. يستطيعون أن يجعلوه يؤمن يقينا أن اسم ولده لن يزال من قائمة الشهداء ليوضع اسم توفيق عبد الرازق بدلا منه. عندما يستطيعون فعل ذلك فسيجدون تلك الملايين عادت مرة أخرى تضحي بنفسها في سبيل مستقبل أفضل لهم ولأولادهم. أما نغمة الشعب الخانع وغير القابل للثورة فهو تصدير أزمة مصر الكبرى لأضعف حلقاتها وأكثر الأطراف تضررا منها، تماما كما حاسب النظام محصل القطار على حادثة احتراق قطار الصعيد.

سيصرخ عبد الموجود المصري باسم ابنه ويعلن عن أن هؤلاء الفقراء هم أصحاب كل شيء جميل وحقيقي في تاريخ مصر عندما يثق فيمن يتحدثون باسمه، وعندما يتوقف كل عبد الرازق الشرشابي عن الدعوة للثورة. فالشرشابي نموذجا واقعا ودائما في مصر وليس شخصا في خيال الكاتب.



حول هذه القصة

قبل سبعين عاما، وصف جواهر نهرو استقلال الهند عن بريطانيا بأنه “لحظة تأتي نادرا في التاريخ، عندما نمر من القديم إلى الجديد..، فتجد روح الأمة لنفسها صوتا بعد كبت طويل”.

أصدر المبعوث الأميركي لسوريا -قبل أيام قليلة- بياناً هاماً حول موقف بلاده من التطورات الأخيرة بإدلب، فيه الكثير من الأفكار الهامة وذات الدلالات الخطيرة، ويمكن بتأملها توقع ما سيحصل قريبا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة