القضايا العصرية بين التفسير التاريخي والمنطقي

قد لا نجد حلاً فكرياً للحكم على ظاهرة أو حالة عصرية حديثة سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية بشكل يحاكي أو يدور في فلك الصحة المعرفية التي تنزع نحو حقيقتها، إلا باستخدام أدوات واقعية تحاكم هذه الحالة بحيث قد تكون المعيار لوزنها في ميزان علمي يبني على الدقة والوضوح إلى حد ما، وإن إيجاد أية بدائل غيرها قد تعرض الحكم لنوع من الشك في مدى تقبل الواقع له أو بالأحرى عدم إيجاد أرضية عملية لصوابيته، فيذهب البعض لاستخدام نافذة التاريخ لاستدعاء أية حالة تتضارع أو تتقاطع مع هذه الحالة الحديثة، وقد يذهب البعض لاستخدام الاستنتاج العقلي والمنطقي ليشكل قالبا لها.
وعلى أي طريقة ذهب الدارس فيها، فقد يصل إلى جواب يُعرّي حقيقة هذه الحالة بشرط الاستخدام الأمثل لها وبطريقة علمية وصحيحة تستدعي محاكمة الأداة المستخدمة بحيث إذا امتلكت الدقة إلى حد ما والمصداقية العلمية، أضفت بشكل تلقائي صفاتها على مخرجاتها والتي يمكن القبول بها ولو بشكل مرحلي.

والتاريخ وإن كان أداة يمكن من خلالها دراسة أي ظاهرة بإستقراء فقراته وتطويعها في سبيل ذلك، فإن البحث في صدق سرْدياته أمر تبعثه الحاجة، إذ إنه من المهم إيجاد وسيلة للتفريق بين ما هو تاريخ مبني على حقيقة وبين تاريخ قائم على محض أسطورة وهمية أو نشأ بفعل إرادة أيديولوجية أو نظرة من زاوية المصلحة، أثرت على قوة محتواه والذي بدوره ينعكس سلباً على أي دراسة تحتاج إلى الموضوعية والسلامة، وبالتالي لا يمكن الاعتداد به أو استعارته في التفسير أو التأطير لأي نظرية تضع حلاً لأي ظاهرة، ومع ذلك فإن البناء المعرفي لشكل التاريخ كفيل في إثبات أو نفي محتوى سردياته.

يمكن للتاريخ أن يجيب على تفسير حالة بشرط إثبات صحته وكون أن الحالة العصرية توازيه في ظروفها ومؤثراتها، وفي المقابل يمكن للاستناجات المنطقية أن تخدم ذلك بشرط قبول الواقع لها

ومن جهة أخرى، إن كان التاريخ قادرا فعلاً على إثبات فاعليته في الحكم على كل القضايا اللاحقة، فماذا لو كانت القضية تعاند التاريخ أو بشكل آخر كانت حالة شاذة عنه من حيث تجدد مؤثراتها وظروفها التي لم تكن في توليفة التاريخ من قبل، فسينبت السؤال هنا عن قدرته في إجاد صيغة للتقارب بينهما، وفِي هذه الحالة قد يكون جعل التاريخ أداة معيارية أمراً صعباً لعدم قدرته على تحقيق سبيل لتفسير كل الظواهر على تنوعها، ولا يمنع ذلك أن يكون مرجعية مهمة وأساسية.

أما عن استخدام الاستنتاج العقلي والمنطقي كأداة تُعْنى بتكوين ما يمكن أن نسميه معادلات قيْمِيّة، تحيل القضية المتراكبة إلى مكونتها وتأخذ بعين الاعتبار كافة أبعادها المختلفة، وتُوْجِد علاقات وروابط منطقية بينها بحيث لا تضع وزناً للظن أو الحس في ذلك، وهي أداة جيدة في إيجاد تفسير لأي قضية بشكل قياسي مع مفردات وأبجديات مكثفة تفرضها طبيعة العقل البشري بشرط عدم المجاوزة والإسراف في استخدامها، من قبيل الربط بينها وبين البنى الثقافية لإثبات الواقع، فعلى سبيل المثال يمكن القول إن المجتمعات العربية لا تصلح للحكم الديمقراطي لأن الاستبداد السياسي نابع من كون أنها مجتمعات ذات سلطة أبوية على الأسرة، فقد تبدو هذه الحالة منطقية لكنها تخالف الواقع، والسبب في ذلك إلى أنّ العلاقة بين المجال السياسي و ثقافة المجتمعات عموماً، علاقة مركبة فالمجال السياسي ليس نتيجة لثقافة المجتمعات أو انعكاساً لها، بل هو مجال يمكن أن يؤثر في ثقافة المجتمع ويتأثر بها، أي أنّ العلاقة متبادلة تسير في كلا الاتجاهين.

وعليه يمكن للتاريخ أن يجيب على تفسير حالة بشرط إثبات صحته وكون أن الحالة العصرية توازيه في ظروفها ومؤثراتها، وفي المقابل يمكن للاستناجات المنطقية أن تخدم ذلك بشرط قبول الواقع لها، و قد يساعد الخلط بينهما وهو ربما يكون الحالة المثالية والسائدة أكثر، في إيجاد مساحة أكبر لتفسير حقيقة الحالات والظواهر العصرية.


حول هذه القصة

مددت المحكمة الإسرائيلية اعتقال رئيس الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر الشيخ رائد صلاح ثلاثة أيام، وبررت ذلك باستكمال التحقيق معه بتهم تتعلق بالتحريض على العنف والإرهاب والعضوية في تنظيم محظور.

15/8/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة