حينَ تترنَّحُ ذاكرةُ أمي

مدونات - امرأة كبيرة
 
"ما أقسَى أنْ يغدو الإنسانُ بلا ذاكرة"
منذُ أنْ مرضَت والدتُها، وأصبحتْ طريحةَ الفراش، بذاكرةٍ شِبْه مُنعدمة. وهيَ في حالةٍ نفسيةٍ يُرثى لها. تبكي والدتَها التي تحوّلتْ من امرأةٍ قويةٍ إلى سيدةٍ كبيرةٍ. لا تتذكر حتى ملامحَ أبنائِها، أو أسمائهم. تناديهم بأسماءَ غريبة لا يعرفونها. ربما تعودُ لأشخاصَ كانوا معها أيام الطفولة. تروي لنا كيفَ أنَّ أمها تعلّقتْ بعباءةٍ أهداها لها ابنُها المقيم في أوروبا. وكيفَ أنَّ زوجةَ ابنها الآخر أخذتْ تلكَ العباءةَ منها. فبقيت على حالها أيامًا تتذكرها وتبكي وتتمنّى لو أنّها تستعيدُها. برغم الاغراءاتِ وحصولها على بديلٍ يشبههُا تمامًا. إلاَّ أنَّها أصرَّتْ على استرجاعِ هدية ابنها. ولكنْ دونَ جدوى.

مشهدٌ مؤلمٌ آخر. لشابٍ يتمشّى مع والدتهِ التي تبدو وكأنَّها في العَقد الثامن من عمرها. يحدثّها كما يحدّثُ طفلًا صغيرًا. يضحكُ ويلهو معها وهي لا تقوَى على المَشي. يخبرُها أنّهُ ابنُها الصّغير وأنَّها كانتْ تناديهِ باسمٍ مميّز، مُخصّصٍ لهُ فقط من بين إخوتِه. يخبرها عن تلكَ التي حاولَ أنْ يتكلّم معها. فتصدُّهُ غيرَ أبهةٍ به، ثمَّ يمازحها قائلًا: "أنا لا تعجبني امرأةٌ في العالمِ سواكِ" هو يعلمُ أنّها وإنْ سمعته، ربّما لنْ تَعِيَ ما يقول. لأنّها في عالمٍ آخرَ غير الذي نحنُ فيه. ولكنّها مع ذلك تبتسمُ لهُ ابتسامةَ الرضا وهذا ما يكفيه. لتعودَ وتسأله: مَن أنت؟

مشاهدُ كهذه أعادتني إلى رواية "الطاهر بن جلّون". "حين تترنّحُ ذاكرة أمي". الطاهر بن جلون الذي كلّما قرأتُ له روايةً، قلتُ هنيئًا للسّاحةِ الأدبية بكاتبٍ مثله. ولا أتردّدُ لحظةً في أنْ أقترحَ رواياته لكلّ مَن يسأل: عن أيِّ الرواياتِ يقرأ!

undefined

لستُ هنا لأتكلّم عن الرواية مِن زاويةٍ نقديةٍ أدبية. ولا لأفسّر كميةَ الحَشْو والملل الذي أصابَ بعضَ القرّاء من تراكُمِ الأحداث. والذي أرى بأنَّ وجوده في الرواية يتماشى ورغبة الكاتب في نبشِ ذاكرةِ والدته والاحتفاظِ بأدقِّ جزئيّةٍ فيها. أنا هنا لأتحدثَ عنها من زاوية إنسانية. لأتحدّث عن تفاصيلِ مرضٍ قد يُصيب أقربَ الناس إلينا. آباءَنا أمهاتِنا جدّاتنا وأجدادنا ومَن يدري ربّما نحن مستقبلًا..!

في "حين تترنّح ذاكرة أمي" يروي "الطاهر بن جلّون" معاناةَ والدته مع مرضِ الزهايمر. كيفَ يختلطُ في ذهنها الزمانُ والمكانُ والأشخاص. وفقط ذكرياتُ الماضي هي التي تطفو على السّطح. وأنا أقرأ الرواية. سافرتُ معه إلى مدينة فاس المغربية تنشّقتُ هواءَها الجميل. فقد أبدعَ الكاتبُ في الانتقالِ مِن أحداثِ الماضي إلى زمنِ كتابةِ الرواية. عشتُ معهُ تفاصيلَ زيجات "لالة فاطمة" الثلاث. ومرضَها الذي جعلها عالةً على أبنائها وبالأخصّ ابنتها كلثوم. التي تثورُ أعصابُها وتتذمر دائمًا منْ عدمِ قدرتها على تحمُّل تصرفاتِ والدتها.

وتبرّر ذلك بقولها: "أنتم أبناؤها تزورونها وتبادرون إلى الانصراف، أمّا أنا فأبقى هنا الوقتَ كلّه ليلًا ونهارًا. توقظِنا لتحدّثنا عن فاس وعن إخوتها الذينَ لم يعُد لهم وجودٌ في هذه الدنيا. اطلبوا من الطبيبِ أن يعطيها دواءً يُعيدُ لها رشدَها أو ينوّمها. لقدْ عيلَ صبري"، ومعَ ذلك كانتْ والدتُها لا تطيقُ ذهابَها عنها. لأنّها الوحيدة التي تعرفُ مكانَ أدويتها. والتي تداومُ على تنظيفها في الحمّام برغم قسوتِها وصُراخِها عليها.

لأنّنا بشرٌ قدْ يحدُثُ أنْ نتذمّر مِنْ تكرارِ نفسِ العبارات التي يردّدها مريضُ لأنّنا بشرٌ قدْ يحدُثُ أنْ نتذمّر مِنْ تكرارِ نفسِ العبارات التي يردّدها مريضُ "الزهايمر". أو مِن نسيانهِم لأسمائنا، وبكائِهم المفاجئ، ومشاعرِهم المتناقضة، وعدم قدرتهم على قضاءِ حاجتهم البيولوجية.

حتى أصبحتْ لا تخافُ الموتَ بل تخافُ من رؤيةِ ملامحِ العذاب وتفاصيلِهِ في نظراتِ أبنائها. فالمرضُ "موتٌ ندلٌ حقيرٌ يتربّصُ بنا. يفتكُّ بجزءٍ من جسدنا، يعذبه، يحرمُه من قدراتهِ الطبيعية. ثمَّ ينتقلُ إلى جزءٍ آخر. ليعيثَ فيهِ فسادًا وألمًا قبلَ أن يهاجمَ الرأسَ في الأخير"، يُقال أنّ مريضَ "الزهايمر" يعودُ طفلًا مِن جديد. يحتاجُ منّا صبرًا. وبالًا طويلًا لنجعلَ منْ أيامهم الأخيرة أيامًا أفضل. يحتاجُ جُهدًا مُضاعفًا لنستوعبَ احتياجاتهم. ونداء روحهم الداخليّ.

ولأنّنا بشرٌ قدْ يحدُثُ أنْ نتذمّر مِنْ تكرارِ نفسِ العبارات التي يردّدها مريضُ "الزهايمر". أو مِن نسيانهِم لأسمائنا، وبكائِهم المفاجئ، ومشاعرِهم المتناقضة، وعدم قدرتهم على قضاءِ حاجتهم البيولوجية. ومزاجهم المتقلّب. وعدوانيّتهم واكتئابهم الشّديد. وقد يحدُثُ أيضًا أن نتمنّى لهم الموتَ شفقةً ورحمةً بهم. في حين أنّهم بحاجةٍ فقط إلى مَن يستوعبُهم ويحنُو عليهم كطفلٍ صغير. ويتقرّبُ منهم ليستمعَ لحكاياتِ ماضيهم القديمة.

على الرّغم من أنَّ والدته تحولّت إلى كائنٍ صغيرٍ بذاكرةٍ مترنّحةٍ. إلاَّ أنّ أعظمَ ما يمكنُ أنْ نفهمَه من هذه الرواية يتلّخصُ في قوله: "يكفي أنْ تدعو لي أمي لأحسَّ أنّني محميٌّ مِن كلّ سوء".



حول هذه القصة

أمل كبير في التخلص من الخرف بفضل دواء جديد

أطلق وزير الصحة الألماني ووزيرة الأسرة الألمانية إشارة البدء لمبادرة تحمل اسم “شركاء مرضى الخرف”، يتم من خلالها توعية الألمان على نحو أفضل بطبيعة هذه الأمراض مثل الزهايمر.

Published On 7/9/2016
In this photo taken Wednesday, Nov. 13, 2013, Jenny, an Alzheimer patient from Switzerland, is fed fruit by a Thai caretaker at Baan Kamlangchay care center in Chiang Mai province, northern Thailand. Thailand is poised to attract more Alzheimer’s sufferers from the Alpine country and elsewhere. In this pleasant city of Chiang Mai ringed by mountains "Baan Kamlangchay’’ will be followed by a $10 million dollar, holiday-like home scheduled to open before mid-2014 and a small Alzheimer’s unit within a retirement community set on the grounds of a former four-star resort. (AP Photo/Apichart Weerawong)

أظهرت دراسة سويدية حديثة أن الأشخاص الذين يجرون تغييرات صحية في أنماط حياتهم يقللون مخاطر إصابتهم بالزهايمر. وتشمل هذه التغييرات النظام الغذائي والنشاط البدني.

Published On 16/7/2014
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة