جناية المتدينين على الدين!

مدونات - مكتبة إسلامية

يشيع في أوساط الإسلاميين خطاب تحذيري من "أعداء الدين" الذين يتأبطون له شراً. لكن المفارقة المدهشة التي يجهلها أصحاب هذا الخطاب هي أن الدين -كما يحكي تاريخه- لم يتضرر قط بفعل أعدائه الملحدين أو بفعل أتباعه الفاسقين، بل بفعل حراسه المتدينين أنفسهم! فإذا اتفقنا على أن أكبر ضرر لحق بالدين هو وقوع التحريف، وأن التحريف لا يقدر عليه سوى كهنة الدين وأحباره، فقد وصلنا إلى حقيقة هذه المفارقة العجيبة. من حرّف التوراة غير كهنة بني إسرائيل؟ من حرف رسالة المسيح غير قساوسة نيقية وما قبلها؟ من جعل المسلمين طرائق قددا بعد أن كانوا أمة واحدة غير رجال المذاهب الإسلامية؟

هذه الحقيقة تقودنا إلى أختها التي ذكرها المفكر الإيراني علي شريعتي، وهي أن صراع الدين لم يكن مع الملحدين قط، بل مع متدينين آخرين، يتبعون أدياناً أخرى. فصراع إبراهيم كان مع عبدة الأصنام والنجوم في غور كلدان، وصراع موسى كان مع عبدة آمون في مصر، وصراع عيسى كان مع اليهود الفريسيين في فلسطين، وصراع محمد كان مع عباد الأصنام المشركين بالله، وأهل الكتاب المضللين، في الجزيرة العربية وما حولها.

صحيح أن بعض الطواغيت الملحدين من الحكام قد أوقع ببعض المتدينين أذى كبيراً، إلا أن ذلك الأذى لم يصل إلى الدين نفسه. فقد يهلك المتدين ويبقى الدين. بل إن هلاك المتدين بسبب دينه يفتح لهذا الأخير أبواب الانتشار والرواج. وصحيح أن حاكما مثل قسطنطين الروماني قد أسهم في تحريف النصرانية، إلا أن دوره الخطير ما كان ليتم لولا تواطؤ بعض قساوسة نيقية، ولولا جهود بولس التحريفية من قبل. وها نحن اليوم نشاهد كيف أن أجهزة الدول المعادية للمسلمين تحاول النيل من الإسلام بواسطة بعض المتدينين العصابيين من أبنائه.

تبدو المشكلة في جهل المتدين المسلم تحديداً بحقيقة أن سلوكه وفهمه للخطاب الديني قد يلحقان الضرر بالإسلام من حيث يظن أنه يطبقه ويحميه. ومن وجوه هذه المشكلة اعتقاده الراسخ بأن أجيال المؤمنين الصالحين الذين نقلوا إليه الدين لم يقعوا، بمجموعهم، في أي شكل من أشكال القصور والنقص. وهو المعنى الذي تمت صياغته في عبارة منسوبة للنبي تقول "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وهو اعتقاد يجافي منطق العلم والعقل والدين. لأننا حتى لو سلمنا بعدالة النقلة وسلامة ضميرهم، وهو الراجح في مجموعهم، إلا أن الإنسان قد يؤتى من جهة عقله، فيتعرض لمؤثرات تاريخية لا قبل له بتفاديها. تعمل هذه المؤثرات على صياغة عقله وفقا للشروط التاريخية لا وفقا لشروط الوحي.

بالرغم من أن العقل حالة توليدية، كما أعتقد ، إلا أنه لا يستطيع تجاوز شروط لحظته التاريخية ويعمل خارجها. ومن ثم فمن الغباء منحه صفة العصمة.بالرغم من أن العقل حالة توليدية، كما أعتقد ، إلا أنه لا يستطيع تجاوز شروط لحظته التاريخية ويعمل خارجها. ومن ثم فمن الغباء منحه صفة العصمة.
 

إن جوهر المشكلة يكمن في جهل المتدين المسلم بطبيعة العلاقة الجدلية بين الزمن والوحي، وفي تأثير الزمن على العقل. فهو يتبنى نظرة استاتيكية جامدة للتاريخ والظواهر الإنسانية. بحيث يرى هذه الظواهر على شكل صور فوتغرافية. في حين أنها ظواهر ديناميكية متحولة أشبه بالصورة السينمائية. والذي صمم الدين هو نفسه الذي صمم الإنسان والزمن. يعلم مسبقاً حاجة الدين للفهم الديناميكي حتى لا يصاب بالجمود، ويتسبب في إرباك الحياة التي جاء لتنظيمها. ومن مظاهر الفهم الديناميكي للدين النظر إلى مقاصده دون التوقف عند علله المباشرة. كما أن من مظاهر الفهم الديناميكي للظاهرة الإنسانية إدراك حقيقة أن العقل حالة متطورة، تعمل جدليا مع الحياة من حولها. أي أن العقل يتأثر بالشروط التاريخية التي يتخلق فيها ويؤثر بها. وأقصد بالشروط التاريخية عوامل الثقافة والسياسة والاقتصاد والبيئة.

فبالرغم من أن العقل حالة توليدية، كما أعتقد ، إلا أنه لا يستطيع تجاوز شروط لحظته التاريخية ويعمل خارجها. ومن ثم فمن الغباء منحه صفة العصمة، حتى لو كان المقصود عقل الجماعة كلها في لحظة زمنية معينة. لأن ما يصح على العقل الفردي يصح على العقل الجمعي أيضاً. بل إن العقل الفردي أكثر ديناميكية وتطورا من العقل الجمعي. ويحدث دائما أن تقع الجماعة المتدينة، الصالحة، في أخطاء حتمية ذات طبيعة منهجية. فمن المعلوم أن مناهج القراءة والتأويل تبدأ بسيطة ساذجة ثم تتطور باتجاه التركيب والدقة والفاعلية بمرور الوقت. مما يعني أن فرص الأجيال المتأخرة في فهم النص الديني أفضل من فرص الجيال المتقدمة.

ولولا ضيق المساحة هنا لسردنا للقارئ وجوها كثيرة للدلالة على القصور المنهجي في قراءة النص الديني لدى الأجيال الإسلامية المتقدمة. سواء على مستوى تطبيق القواعد التي قعدوها ولم تطرد تطبيقاتهم لها، كما لاحظ الدكتور زكي نجيب محمود أثناء قراءته المركزة للتراث، أو على مستوى ندرة الأدوات التحليلية اللازمة لعمليات القراءة المنتجة.

وهكذا فإن إصرار المتدينين على رفض المناهج الحديثة في نقد الجهود القديمة لفهم الدين، هو شكل من أشكال المساهمة في تحريف الدين. لأن حركة التحريف هي حركة تراكم الأخطاء الجزئية عبر الوقت حتى تصبح أخطاء نوعية. وبطبيعة الحال فإن الجيل الواحد لا يستطيع أن يلحظ بسهولة تراكم هذه الأخطاء، لأنها تنمو بنفس الطريقة التي ينمو بها الإنسان. فمن منا يستطيع أن يلحظ نمو طفله الذي يعيش معه في بيت واحد؟! هناك شرط واحد لملاحظة هذا النمو هو الابتعاد عن الظاهرة، والنظر إليها بعين ناقدة. وإهمال النقد خطيئة في عرف العلم والعقل والدين.



حول هذه القصة

الكتابة عن الأصوليات في المجال العربي قليلة، وهي أصوليات فاعلة وتكاد تسم الفكر العربي بمرجعياته الإسلامية والقوميّة والليبراليّة. وما تعرفه منطقة الخليج اليوم من استهداف لقطر يدفع للبحث عن أسبابه.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة