أوراق الربيع (23) الأزمة الخليجية.. أصولها وفصولها (3)

Saudi Arabia's King Salman bin Abdulaziz Al Saud (R) meets with Bahrain's King Hamad bin Isa Al Khalifa in Jeddah, Saudi Arabia, June 7, 2017. Bandar Algaloud/Courtesy of Saudi Royal Court/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. FOR EDITORIAL USE ONLY.
أوضحنا في المقال الثاني من هذه السلسلة مستوى البلاهة السياسية وضعف الحاسَّة الاستراتيجية لدى قادة دول القطيعة. ونتناول في هذا المقال الخسارة المعنوية التي وقع فيها هؤلاء بسبب السقوط الأخلاقي في إثارة الأزمة وفي إدارتها. فقد جاء حصار قطر مُهدِراً لكل القيم الإسلامية والإنسانية، ومنتهكاً لعدد من الأعراف الجميلة التي أنضجتها التجارب البشرية، وأكَّدها القانون الدولي الإنساني المعاصر.

وأهم هذه الأعراف إبقاء مساحة إنسانية مشتركة بين المتخاصمين سياسيا -وحتى عسكريا- بعيدة عن الصراع، لتكون موئلاً يرجع إليه المختصمون حين تهدأ الأزمات الدبلوماسية، أو تضع الحرب أوزارها. ومن أهم عناصر هذه المساحة إبعادُ الشعوب عن الخلافات السياسية والعسكرية بين الدول، والتمييز بين الجانب الإنساني والجانب السياسي، حتى تظل للجانب الإنساني حُرمتُه التي لا تُنتهك، مهما يكن الخلاف السياسي.

لقد نهى الإسلام عن الفجور في الخصومة، وجعله أمارةً للنفاق، فأخرج البخاري في "باب علامة المنافق" من صحيحه قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقا خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعَها: إذا اؤتُمِن خان، وإذا حدَّث كَذَب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجَر." (صحيح البخاري، 1/16). وما أكثر ما ظهر في حصار قطر من خصال النفاق: خيانةً وكذِباً وغدْراً وفُجوراً. ويكفي أن الحصار بدأ بكذبة كبيرة تم تمريرها عبر اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية. وما بدأ بكذب فلا بدَّ أن ينتهي إلى فجور، كما هو منطوق الحديث النبوي: "إن الكذب يهدي إلى الفجور" (صحيح البخاري، 8/25، وصحيح مسلم 4/2013).

إن الأرحام الإنسانية باقية، والخلافات السياسية عابرة، ومن الحكمة التفريق بين المساحتين، وعدم أخذ الأولى بجريرة الثانية، حفاظاً على خط الرجعة، وفتحاً لأبواب الصلح، وإبقاءً على النفوس مهيَّأة للتعالي على الجراح حالما تنضج الشروط لالتئامها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناس حرصاً على مراعاة الأرحام الإنسانية، حتى مع أشدِّ خصومه، وألدِّ أعدائه. فقد كان النضر بن الحارث من أشد المشركين أذيَّةً للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين: يستهزأ بالقرآن، ويسب نبي الله صلى الله عليه وسلم، ويُوِسع الصحابة تقتيلا وتعذيبا. ولما تمكَّن المسلمون منه في بدر وقتلوه رثتْه أخته الشاعرة قتيلة بنت الحارث بأبيات قالت فيها:

ظلَّتْ سيوفُ بنى أبيه تنوشُــه لله أرحامٌ هناك تَشَقَّــــــــــــقُ

قطَّعت دول القطيعة كل الأرحام الإنسانية التي تربط بينها وبين قطر، ابتداءً من حملة التلفيق والشيطنة التي انتهكت كل القيم الإسلامية والأعراف العربية، إلى الطعن في الأعراض والتفاخر بالأنساب والأحسابقطَّعت دول القطيعة كل الأرحام الإنسانية التي تربط بينها وبين قطر، ابتداءً من حملة التلفيق والشيطنة التي انتهكت كل القيم الإسلامية والأعراف العربية، إلى الطعن في الأعراض والتفاخر بالأنساب والأحساب
 

قال ابن هشام: "فيقال -والله أعلم- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر، قال: لو بلغني هذا قبل قتْله لمننتُ عليه." (سيرة ابن هشام، 2/285). وفي رواية: "فرَقَّ صلى الله عليه وسلم حتى دمعتْ عيناه" (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 1/345). وزاد الحلبي في سيرته: "وحين سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى أخْضَلَ -أي بلَّ- لحيته، وقال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننتُ عليه. أي لقبلتُ شفاعتها عندي بهذا الشعر." (ابن برهان الدين الحلبي، السيرة الحلبية، 2/255).

فقد رقَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه المرأة المفجوعة في أخيها القتيل، وتمنَّى لو كان سمع شعرها قبل قتله ليعفوَ عنه، لأنها ذكَّرتْه بالأرحام الإنسانية بين المتحاربين في بدر. كل ذلك والقتيل كافرٌ فاجرٌ، قُتِل استحقاقا بما اجترحت يداه من تقتيل المسلمين وتعذيبهم، وأذيتهم بالقول والفعل، فكيف إذا كان الخصم مُسلما مظلوما معتدىً عليه بالحصار، وبقطع الأرحام في شهر الصيام. إن هذا الموقف النبوي درسٌ عظيم في الحفاظ على المساحة الإنسانية في أوقات الخلاف السياسي والشقاق العسكري.

وفي تاريخ صدر الإسلام قصة مؤثرة عن فكرة الحفاظ على المساحة الإنسانية في أوقات الشقاق، وهي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتقاتلون في الفتنة الكبرى بصفِّين، فإذا سكن القتال اجتمعوا وصلَّوْا على قتلاهم من المعسكرين معاً. إذ كان الصحابة يدركون أن شؤون العبادة والأرحام الإنسانية تنتمي إلى مساحة أخرى من الروابط، تعلو فوق الخلاف السياسي، حتى ولو تفجّر اقتتالا عسكريا. ففي أوقات الحرب يحتاج البشر إلى جزر من السِّلْم يأوون إليها تجنبا للغرق في بحر الدماء، وفي أوقات الخصومات السياسية يحتاج البشر إلى حرُمات ومساحات إنسانية يحافظون عليها، لتحافظ لهم على بقية من إنسانيتهم.

وقد تكرَّر مشهد شبيه بموقف الصحابة رضي الله عنهم في التاريخ الأوربي المعاصر، فيما يرويه مؤرخ فرنسي للحرب العالمية الثانية، حيث كان الجنود الألمان والفرنسيون يتقاتلون في خنادقهم المتقابلة، ويرمون القنابل اليدوية على بعضهم البعض. وحين حلت ليلة عيد الميلاد أوقفوا القتال، وباتوا يترامون بهدايا الميلاد، حتى طلع الفجر، وبدأ الاقتتال من جديد. فهنا يستثني المتقاتلون الأوربيون المسيحيون ليلة الميلاد من القتال، ويضعونها ضمن الزمان المحرَّم الذي لا تُنتهك حرمته، حتى وهم يخوضون حربا وجودية.

وكان أقلَّ ما يُفترض في قيادات الحصار -وهم يقودون شعوبا عربية مسلمة- أن يتعاملوا مع شهر رمضان كما تعامل الجنود الفرنسيون والألمان في الحرب العالمية الثانية مع ليلة عيد الميلاد.وكان أقلَّ ما يُفترض في قيادات الحصار -وهم يقودون شعوبا عربية مسلمة- أن يتعاملوا مع شهر رمضان كما تعامل الجنود الفرنسيون والألمان في الحرب العالمية الثانية مع ليلة عيد الميلاد.

ولعل العرب كانوا من أسبق شعوب الأرض إلى ترسيخ مبدأ "الزمان المحرَّم" و"المكان المحرَّم"، أي زمان السِّلم ومكان السِّلم اللذين لا يجوز انتهاكهما، حتى في ظروف الحرب، وذلك في التزامهم بعدم القتال في البيت الحرام، أو في الأشهر الحُرُم. وهو تقليد حميدٌ أقرَّه القرآن وأشاد به الإسلام. ففكرة المحافظة على مساحة سِلمٍ وإنسانية في أوقات الشقاق السياسي والعسكري فكرة إسلامية أصيلة، وتقليد عربي عريق.

وقد تقدم الكسب الإنساني المعاصر كثيرا على طريق المحافظة على المساحة الإنسانية في أوقات الشقاق السياسي. ولعل أهم معالم هذا الكسب الإنساني الرائع هو ما أقره القانون الدولي الإنساني المعاصر في معاهدات جنيف الأربع، التي صيغت أولاها عام 1864، وأخراها عام 1949. وهي معاهدات تتضمن نصوصا مهمة يحتاج العرب والمسلمون اليوم إلى تمثُّلها في نسيجهم الأخلاقي والثقافي، خصوصا ما يتعلق منها بصيانة حقوق المدنيين في أوقات الحروب، وحماية النساء والأطفال وغير المحاربين بشكل عام، وواجب إيصال الغذاء والدواء إلى المحتاجين بغض النظر عن موقفهم وانتمائهم، وحماية الأطقم الخيرية والطبية، وحسن معاملة الأسرى من أي مسعكر كانوا، ومنع العقاب الجماعي ضد السكان… إلى غير ذلك من مبادئ إنسانية عظيمة.

إن تعاطف النبي صلى الله عليه وسلم مع شقيقة النضر بن الحارث، واجتماع الصحابة المتحاربين للصلاة على قتلاهم بصفِّين، وتبادل الجنود الألمان والفرنسيين هدايا عيد الميلاد وهم في خنادق الاقتتال، وما تضمنته معاهدات جنيف من صيانة الكرامة الإنسانية في وقت الحرب.. كلها تذكير لنا بالمنزلق الخطير الذي سارت فيه دول القطيعة في تعاملها مع دولة قطر، والشعب القطري، والمقيمين في قطر.

فقد قطَّعت دول القطيعة كل الأرحام الإنسانية التي تربط بينها وبين قطر، ابتداءً من حملة التلفيق والشيطنة التي انتهكت كل القيم الإسلامية والأعراف العربية، إلى الطعن في الأعراض والتفاخر بالأنساب والأحساب، إلى إخراج القطريين المعتمِرين قسراً من الفنادق السعودية بطريقة مُهينة ومُشينة، والدفع بهم إلى الرجوع على عجَل بجهد جهيد ومشقة بالغة، وهم ضيوف الرحمن، وزوار بيته الحرام، كما حدث مع إحدى طالباتي القطريات بجامعة حمَد بن خليفة في الدوحة.

وقد تلاشى مبدأ "الزمان المحرَّم" من أذهان المحاصِرين، وهو مبدأ إسلامي أصيل وتقليد عربي عريق كما رأينا. فمنعوا الطعام فجأة عن المسلمين في شهر الصيام، وهو شهر له حرمته ومكانته العظيمة في دين الإسلام، وكان أقلَّ ما يُفترض في قيادات الحصار -وهم يقودون شعوبا عربية مسلمة- أن يتعاملوا مع شهر رمضان كما تعامل الجنود الفرنسيون والألمان في الحرب العالمية الثانية مع ليلة عيد الميلاد. هذا إذا كانت قطر ظلمتْهم واعتدتْ عليهم، فكيف وهم الظالمون المعتدون.

لعل السلطة السعودية نسيتْ أن خدمة بيت الله الحرام شرفٌ لمن أكرمهم الله به، وليس ملكية شخصية يتصرفون فيها حسب أهوائهم السياسيةلعل السلطة السعودية نسيتْ أن خدمة بيت الله الحرام شرفٌ لمن أكرمهم الله به، وليس ملكية شخصية يتصرفون فيها حسب أهوائهم السياسية

كما تلاشت فكرة "المكان المحرَّم" من أذهان المحاصِرين، فضيَّقت السلطة السعودية على قاصدي بيت الله الحرام للحج هذا العام، من القطريين والمسلمين المقيمين في قطر، وألزمتهم بشروط تعسِّر وصولهم إلى مكة المكرمة، منها منْع السفر براًّ من قطر، وهو أمرٌ كان يلجأ إليه كثير من ذوي الإمكانات المادية المحدودة من المسلمين المقيمين في قطر. ومنها إلزام الحُجاج بالعبور عبر دولة ثالثة. وكلا الشرطين يعني فرض مشقة زائدة وكلفة مالية إضافية ظلما وعدوانا على كواهل مسلمين أبرياء، لا قصد لهم سوى عبادة ربهم وتعظيم شعائره.

ولعل السلطة السعودية نسيتْ أن خدمة بيت الله الحرام شرفٌ لمن أكرمهم الله به، وليس ملكية شخصية يتصرفون فيها حسب أهوائهم السياسية. وأن العرب حتى في جاهليتهم كانوا يعتبرون السقاية (توفير الماء للحاج) والرفادة (إطعام الحجاج) مصدر فخر واعتزاز. وما نال بنو هاشم العزة بين العرب قبل الإسلام إلا لأنهم كانوا أهل السقاية والرفادة من بين بطون قريش، وظل هذا الشرف في بني هاشم حتى جاء الإسلام والسقاية والرفادة عند العباس بن عبد المطلب، عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم. فهل يُعقل أن يتشرف أهل الجاهلية بخدمة حجاج بيت الله الحرام واستضافتهم، وتسهيل رحلتهم ومُقامهم، وتوفير الطعام والشراب لهم، ويستنكف بعض أهل الإسلام من ذلك، بل يضعون العراقيل ويعسّرون الحجّ تبعاً لأهوائهم السياسية؟!

لقد كشفت الأزمة الخليجية عن سقوط أخلاقي مُريع لن يكون من السهل تداركه بكل أسف، حتى ولو استطاعت الدبلوماسية إعادة شيء من التعايش السياسي على المدى القريب. وربما لم تخسر دول القطيعة في الأزمة الخليجية خسارة أكبر من هذا السقوط المعنوي المُريع الذي يصعب استدراكه، ويكاد يستحيل محْوُه من ذاكرة الشعوب. فهل تدرك قيادات القطيعة عمق الخطيئة التي وقعت فيها؟!



حول هذه القصة

Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman meets with Iraqi Shi'ite leader Muqtada al-Sadr in Jeddah, Saudi Arabia July 30, 2017. Bandar Algaloud/Courtesy of Saudi Royal Court/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.

قال مصدر في المكتب الإعلامي لزعيم التيار الصدري إن مقتدى الصدر سيتوجه إلى القاهرة في زيارة رسمية، بعد اختتام زيارته إلى دولة الإمارات التي يقوم بها حاليا.

Published On 14/8/2017
#السعودية_تنبطح_لإيران

يتزايد التفاعل في مواقع التواصل مع “مفاجآت التقارب السعودي الإيراني”، من لقاءات بين السعودية وقيادات عراقية إلى إعلان وزير الداخلية العراقي أن السعودية طلبت وساطتهم مع إيران.

Published On 14/8/2017
A ship decks at Hamad port in Doha, Qatar, June 14, 2017. REUTERS/Naseem Zeitoon

أعلنت الشركة القطرية لإدارة الموانئ (موانئ قطر) تدشين خط ملاحي مباشر مع باكستان، إذ وصلت أول سفينة حاويات قادمة من ميناء كراتشي الباكستاني إلى ميناء حمد في قطر.

Published On 15/8/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة