شعار قسم مدونات

حواف ومشارف الأعمار

blogs - old man
لا تعد المسألة سوى إحساس بالزمن، ربما بعض من بلغوا سن الستين لا يشعرون بمشارف أعمارهم، وعلى العكس رب عشريني يشعر أنه على حافة عمره، بالرغم من القناعة السائدة أن طول الأمد عكس هاتين الحالتين لا يكون إلا لصغير السن.

سواء تلك أو ذاك هو زمن يمر وحافته نحن من نقوم بصنعها، وطول الأمل أو قصره شئ عائد إلينا، ولا مفر من أن الآجال مكتوبة ومقدرة، لكن قد يعيش الإنسان 100 سنة بإحساس العشر سنوات، وعلى النقيض قد تكون العشرين سنة كفيلة ليكتفي أحدهم من الدنيا.

وكما قال محمود بن الحسن:

والمرءُ مرتَهَن بسوفَ وليتني *** وهلاكُه في السَّوْف واللَّيْتِ

مَن كانت الأيام تسير به *** فكأنه قد حلَّ بالموتِ

لله درُّ فتًى تدبَّر أمرَه *** فغدا وراح مُبادِر الفوتِ

يُحكى عن الفنان أحمد زكي رحمه الله أنه كان شديد الخوف من سيرة الموت، إذ كان لا يحب أن تذكر أحاديث الموت كثيرًا أمامه، كان يخشى ألا يحقق ما يتمنى وألا يمهله القدر للوصول إلى غاية أحلامه، وربما كان الرجل بالفعل يدرك أنه على مشارف نهاية العمر وقد كان. حدث بالفعل ما كان يخشاه بعدما توفي عن عمر يناهز 56 عامًا من جراء مضاعفات سرطان الرئة الذي كان يعاني منه في أيامه الأخيرة.

الغرق في معسول التسويف قاتل للأعمار التي تبدو أمامنا صغيرة، ولا قيمة لأماني لا تجد عمرًا لبلوغها، والغايات كثيرًا ما تكون أبعد من حساباتنا، ولو أضيفت أعمارًا إلى أعمارنا.
الغرق في معسول التسويف قاتل للأعمار التي تبدو أمامنا صغيرة، ولا قيمة لأماني لا تجد عمرًا لبلوغها، والغايات كثيرًا ما تكون أبعد من حساباتنا، ولو أضيفت أعمارًا إلى أعمارنا.

الإنسان الذي يعيش على حافة عمره أو مشارف نهايته دائمًا ما يكون لديه الشعور بالزمن مختلف عن غيره، وربما يكون عمره متعلقًا بالإنجاز أكثر من تعلقه بالأيام. تمر سنوننا ثواني تلو ثواني، ولا نكاد نشعر بها إلا في اللحظات التي نحقق فيها إنجازًا أو غاية، وأزعم أيضًا أن هذا الإحساس بالزمن لا يأتي إلا عند لحظات الفقد أيضًا (أي أن الإنجاز والفقد لحظات استثنائية وربما هي أعمارنا الحقيقية).

فوجئت أنني على مشارف عام جديد لا أدري إن كان -الأخير- أم سوف تخالجني هذه المشاعر لأعوام أخرى قادمة، لست بكبير السن (في نظر الناس على الأقل) الذي يجب أن تصدر عنه مثل هذه الكلمات التي قد تُرى متشائمة، لكني في حقيقة الأمر أشعر أن عمري الفائت يُطاردني، وهذا العام وددت لو أني لا زلت ابن الثمانية عشر عامًا، ولكن ها هي الحقيقة فقد عبرت حاجز الـ 24 دون شعور، أين سنواتي الماضية؟! ماذا كنت أفعل فيها؟! وماذا سأفعل فيما تبقى من عددها الذي لا أعرفه، وإن كنت لا أعرف ماذا فعلت في سابق عمري، كيف لي أن أعرف ماذا أفعل فيما هو آت.

صيرورة هذه الحياة في الفعل، لا في الأماني، وما ينجزه المرء بالفعل هو عمره الحقيقي، حتى بالمفهوم الديني، ما سوف نحاسب عليه في السنوات الماضية، هي أفعال ارتكبناها ودونت في سجلاتنا، وأفعال تركناها تحسب علينا، وما دون ذلك من الأنفاس التي خرجت ودخلت في الأجساد، هي محصلة أيام فارغة من العمر.

الغرق في معسول التسويف قاتل للأعمار التي تبدو أمامنا صغيرة، ولا قيمة لأماني لا تجد عمرًا لبلوغها، والغايات كثيرًا ما تكون أبعد من حساباتنا، ولو أضيفت أعمارًا إلى أعمارنا.

ما مر بهذه الجيل سوف يعيد تعريفه للزمن وللعمر وللإنجاز، وربما نخرج من دوائر العدمية قريبًا، لكننا حتمًا لن نخرج كما دخلنا، بل رؤيتنا لأصدقائنا يتساقطون كالأوراق أمام أعيننا إما قتلًا أو بموت الفجأة، سيجعلنا نشعر بحواف ومشارف الأعمار أكثر فأكثر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.