علّموا أولادكم السياسة

blogs - جريدة
لعّل من أكثر الأحاديث تداولاً على ألسنة الناس هو "علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، اختلف كثيرون في هذا القول أو الحديث، ولكن النتيجة واحدة وهي ترسّخ لدى الكثير من الناس أنّ ما يجب أن يعلموه لأولادهم لا يتعدّى بعض التعاليم الدينية وما ذكر في القول أعلاه، فضلاً عن التعليم الدراسي.
بات من المُقرف أن ترى بعض الشباب الذي يملك من الشهادات العلمية ما لا يُعد ولا يحصى، تراهم أناسا تافهين في مجتمعهم لا يفقهون سوى ما حفظوه من العلم. رأيهم فيما يحصل حولهم لا يتعدّى أن يستنكروا القتل مثلاً دون معرفة المسببات، ولا حتّى القاتل الحقيقي في بعض الأحيان.

يصف العالم مجتمعنا بالجاهل الذي لا يفقه شيئاً، ورأيه لا يتعدّى مجموعة رواسب من أبواق إعلامية كاذبة يستمع إليها من وقت إلى آخر على الشاشة المربّعة، أو من خلال بعض الصفحات الإعلامية في العالم الافتراضي. ربّما في هذا خروج عن الموضوع، ولكن من المؤكد أنّ من عُلّم على التفكير بالبعد السياسي منذ الصغر لن ينخدع بسماع هذه الأبواق. فضلاً عن أن تعليم الشخص على الاهتمام بالشأن العام سيولّد لديه طاقة تدفعه بأن يعرف أكثر ويهتم بالبحث للوصول إلى الحقيقة.

إبعاد الأبناء عن الاهتمام بالسياسة لحمايتهم من القمع إذا ما وجدت سلطة ديكتاتورية لن ينفعهم. لم تستطيعوا تغيير واقعكم المرير، أعطوهم الفرصة لتغيير واقعهم.

وما نفع المجتمع إذا اهتمّ شبابها بالسياسة؟ هل ذلك من أجل زيادة الانقسام فيه؟ يسأل أحدهم! من البديهي أن يفكّر البعض بإبعاد الناس عن السياسة لتخفيف الانقسام، ولكن من يصنع الانقسام غير الجهل؟ أما يجب على المجتمع الواحد أن يتّفق على المبادئ، وليس هنالك حرج إذا ما اختلف في التفاصيل. لكن للأسف إنّ ما يعانيه مجتمعنا من الجهل يقيّض اتفاقه على المبادئ التي تحميه من ديكتاتوريات أنهكته.

‎هل يستطيع بضعة أشخاص تغيير نمط الجهل السائد؟ لماذا ابني؟ لماذا أغذّيه بأفكار قد تسبب له المشاكل؟ يستفسر آخر! طبعاً من المعروف أن لنشر فكر نحتاج أن نكون جماعة وليس أفرادا. قد تبدأ الطريق وحدك، قد تتلقى الانتقادات لتربية أبنائك بهذا النهج. ولكن الطريق للوصول لهذا الهدف وهو القضاء على الجهل يحتاج إلى من يبدأ بتمهيده مستعملاً الطاقة التي يمتلكها صغار السن. إنّ الفكر يحتاج لمن ينشره، والفكرة تنتشر بشكل أكبر عندما يتبنّاها أهل العلم والمعرفة.

ليس من الضروري إعطاء الأمثلة لكي نثبت وجود الجهل السياسي في مجتمعاتنا العربية. فهذا الجهل ممكن لمسه بسهولة في تعاملنا مع الناس وسماع آرائهم التي في أغلبها لا تكون إلا نسخة من أفكار سمعوها من هذا وذلك دون تحليلها وإثبات صحّتها.

علّموا أولادكم السياسة، لا تجعلوهم تافهين، إبعادهم عن الاهتمام بها لحمايتهم من المشاكل أو من القمع إذا ما وجدت السلطة الديكتاتورية لن ينفعهم. لم تستطيعوا تغيير واقعكم المرير، أعطوهم الفرصة لتغيير واقعهم بحمايتهم من الجهل وليس من السياسة.