انتظار الموت لأجل الرثاء

blogs-iraq
قول الكلمة وفعل الفعل في زمن الإمكان أجدى وأنفعُ من رثائياتٍ عقيمة الإنتاج بعد فوات الأوان وإن المطالبة بحقوقيّة إنسانٍ وعدليّة مظلومٍ واصداح التنديدات الحزينة بعد وقوع جريمةٍ ما لن تعيد الضحيّة إلى الحياة ولا طول الكلام سيؤتي ثمارا.

بعضُ الناس يبقى حالُه كحائطٍ مائلٍ متّجهٍ نحو الانقضاض لا يجد من يقيمَهُ وإذا ما انقضَّ فاضت المحابر وتسارعت الأقلام نحو المرثيّات متجاهلةً أن ما أصابَه كان تحت أعينهم ومرأى أنظارهم بالتزامن مع إمكانيّة مدّ يدِ العون لإقامته ومساندته، تصيّر بنا الحالُ إلى إتقان فنِّ الكلام بعد فوات الأوان وكأنها خدمةٌ تُقدّم للمفقود بعد فُقدانه تعبيراً عن المحبة والوفاء بعد نسيانه طوالَ حياته وخصوصاً عند مأساته وتحمّله لسكرات موته الطوال.

قصةٌ حدثت بالأمس القريب كانت وحياً للكلمات السابقة حالها كمثيلاتها من القصص والقضايا التي ما انْبرَح من نسيان واحدةٍ حتى تصفعنا الأخرى بألمٍ جديدٍ وفقدانٍ جديد، الناشطُ السلميّ "باسل خرطبيل الصفدي" صاحب الست سنواتٍ في غياهب الاعتقال الأسديّ، وأحد عبقريّي العالم والحاصل على شهاداتٍ عالميةٍ بعبقريته في تخصّصه البرمجيات، وإبداعه فيه وأحد أبرز المفكرين المعاصرين الذي حال الموت بينه وبين حريته.

        

بعد تأكيد خبر مقتله في سجون الظلام تسارعت الأيادي الكاتبة وصفحات السوشيال ميديا لتكتب قصته ولتعبّرعن مدى حزنها لملاقاته حتفه تحت كل عناوين الظلم والقهر، متناسيةً أنها ما كتبت عنه ولا ساهمت في اكتسابه لحريته خلال فترة تغيُّبهِ القسريّ إلا القليل النادر وكأنه -والكثيرين من أقرانه المُغيّبين- في سجلات النسيان التي لا تُفتح إلا عند الموت ولا تُقرأ صفحاتهم إلا بعد فقدانهم -مشاعر متناقضة-.

    

الناشط السلمي
الناشط السلمي "باسل الصفدي" الذي اعتقل في سجون الأسد لمدة سنوات وتم تصفيته داخل السجن
 

بدلاً من العويلِ الكثير على عتبات المنظمات العالمية والمحاكم الدولية لطلب تحقيقٍ لا يُغني ولا يُسمنُ من جوع، كان الأجدر إرضاخَ المعنيّين بالاعتصامات وكثرة البيانات الموحدة المُطالبة بأدنى حقوق الإنسان "الحرية"، أم أنّنا لا نجيد سوى النّحيب واتخاذ الجرائم سبقاً صحفياً مملوءًا بكلمات الحزن والأسى مع تعبيرات الودّ والاعتذار.

إن بقيت الستارة منسدلةً تمنع دخول فجر الأمل إلى قلوب المقهورين ولم تجد من يكشفها فإننا سنشهد قصص المزيد من الأدمغةِ النابغة التي دُفنت في مقابر المجهول

مهما طالت المقالات الرثائيّة والكتابات المُلتاعة تبقى فاقدةً لنصف قيمتها كالقهوة الباردة جاعلةً قلوب أصحابها كالمقبرة لا تحتضن إلا الموتى وكأنّ الموت مفتاحُ القلوبِ نحو التكلّم بما تخْتلجُه من عواطف وأحاسيس ومجتثّها من الخرس العاطفي .

كُثرٌ أولئك المنتظرينَ لموقفٍ جادٍّ من قبل الناشطين والمؤسّسات وكل العاملين في المجالات الثوريّة والإعلاميّة والإنسانيّة لتخليصهم من جهنّمهم القاتلة وإخراجهم من بلواهم ولكن مع كلِ الأسف فالنظام الأسديُّ ملأ سجونه بالنّاس وكل هيكليّات الثورة ملأت الدنيا بالكلام ولكن بعد فوات الأوان، ولم يُلتَمس منهم موقفٌ صارمٌ يبعث الأمل في صدور المكلومين.

أشباه باسلَ لا يُعدّون، وقصصهم متشابهةٌ وكلّ أصحاب الفكر والإبداع في سوريا تتم محاربتهم، ولم يُعرف أحدٌ من الذين دخلوا على المسلخ البشري – المعتقل السوري- وقد خرج سليم العقل وسليم النفسيّة، لم يُسمح لهم باستعمال إبداعهم وذكائهم لا داخل أوطانهم ولا خارجها ومن استطاع الهرب خارج سوريا فإن أمرَ منْعِ دخولَه وآلاف التّهم قد لُحقت باسمه وسبقته إلى ملجأه.  

إن بقيت الستارة منسدلةً تمنع دخول فجر الأمل إلى قلوب المقهورين ولم تجد من يكشفها فإننا سنشهد قصص المزيد من الأدمغةِ النابغة التي دُفنت في مقابر المجهول والمترتّب على عاتق من حمل القضية على أكتافه، التوقف عن تسطير الآلاف من الكلمات الحزينة التي لا تعيد ميّتاً إلى الحياة وبْذل الجهد وحثِّ كافة المعنيّين على التحرك وإرضاخ المجرم لحكم العدل مهما ساندهُ الأعوان والتفّ حوله المناصرون.