شعار قسم مدونات

هل ما زالت خطوطنا حمراء؟

blogs - الأقصى
عودة بالذاكرة إلى الخلف تجعلنا نمسح على أعيننا لنتأكد إن كانت مبصرة أم لا! فالواقع أصبح ينظر إلينا بسخرية لأننا وعدناه يوماً أنه لن يرى الحياة، فإذ به يشكل كل حياتنا اليوم، ونسينا تبرؤنا منه بل أكثر من ذلك أصبحنا رفقاء. هل تذكرون قديماً حين قالوا الأقصى خط أحمر؟ بل زادوا عليه خطاً آخر وتبعته خطوط وخطوط، لم نقبل حينها أن يمس أحد الأقصى لأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين، أي من المقدسات، والمقدسات تعني عندنا الموت من أجلها. إلا أن الحقيقة أن الأقصى تم غلقه لأول مرة ومُنع المصلون من أداء صلاة الجمعة وما زال مغلقاً حتى كتابة هذه السطور.

لم نر تحركاً

في الأمة على مستوى الحدث، بل وجدنا العلماء يلومون على العامة عدم تحركهم، وكأن العلماء قد أخرجوا أنفسهم من الأمة. ولم نعد نشاهد أحداً يوجه نداءً إلى الحكام لنصرة الأقصى ولا لجيوشهم كما كان يحدث في مظاهرات حاشدة من قبل يتم فيها تفريغ الطاقة الكامنة لتعود الجماهير الغاضبة إلى ثكناتها استعداداً للخروج عند تجاوز الخط الأحمر القادم. 

سيبقى الأقصى مغلقاً طالماً بقينا أسرى الواقع، ولن يُفتح الأقصى إلا إذا تحررنا من الموروث الجاهلي الذي أورثنا إياه الحكام وعلماؤهم حين أقنعونا أن القدس فلسطينية، وأن حدود الدولة تلك التي يرفرف عليها علم الوطنية

هل تذكرون قديماً حين قالوا سقوط بغداد خط أحمر؟ وقبلها كان خط سقوط كابول أشد احمراراً، فإذ بنا نرى صنعاء ودمشق وحلب وحمص والفلوجة وغيرها، ومع كل سقوط تمرض أعيننا من كثرة هدم خطوطنا الحمراء… قالوا قديماً إلا الدم! وأي قطرة دم مسلم هي نقاط حمراء، بل زادوا عليها إن دم المسلم أقدس من هدم الكعبة، فسالت أودية دماء ولم نعد نرى من بين الدماء أي ملامح لخطوط حمراء. فهل ما زالت فعلاً خطوطنا حمراء؟ أم أن أعيننا قد مرضت؟

إن الأقصى لم يُغلق بابه من ضعف الأمة اليوم، بل من ضعفها حين خضعت لحكام قدستهم فأفقدوها نعمة البصر، فلا يرون إلا ما يراه الحاكم، ومن خضوعها إلى علماء روضوها على السكوت والقبول بالواقع.. لم يتجرأ يهود على غلق الأقصى إلا بعدما شاهدوا مساجدنا تُحرق وديننا من بيننا يُسلخ ومناهج دراستنا تُستبدل، وإعلامنا للرذيلة ينشر، ومع ذلك تسكت الأمة في كل مرة لأن الحاكم المُلهم هو أعلم بما يصلحنا ورديفه من علمائه يأتون بالأدلة التى تنزلهم منازل الأنبياء، فيتم بذلك مباركة كل ضلال.

لقد تم غلق الأقصى في عواصمنا قبل أن يتم غلقه في القدس، لذلك لم يجد يهود اليوم حرجاً في غلقه اليوم في موطنه الأصلي. تم ترويضنا كل يوم حتى نقبل بالأمر الواقع، فتتحول خطوطنا الحمراء إلى بيضاء ثم باهتة ثم تختفي. لن تعود خطوطنا حمراء إلا إذا قتلنا بداخلنا كل حاكم قدسناه فأفقدنا نعمة البصر فلا نرى إلا ما يراه، علينا أن نقتل بداخلنا كل عالم اتبعناه فروضنا على السكوت والقبول بالواقع، حتى نستطيع إبصار خطوطنا الحمراء ونرفض كل واقع يتجاوزها، ليس هذا فحسب، بل نتخذ تجاهها الإجراءات الصحيحة… سيبقى الأقصى مغلقاً طالماً بقينا أسرى الواقع، ولن يُفتح الأقصى إلا إذا تحررنا من الموروث الجاهلي الذي أورثنا إياه الحكام وعلماؤهم حين أقنعونا أن القدس فلسطينية، وأن حدود الدولة تلك التي يرفرف عليها علم الوطنية.

سيبقى الأقصى مغلقاً طالماً رأينا في بضعة دراهم معدودة يدفعها حكامنا، هي نصرة للأقصى، ولا نرى في دفع نصف تريليون دولار لترمب هدماً له ولكل مقدساتنا. لن يُفتح الأقصى إلا إذا أدركنا أن عزتنا في إسلامنا، وقوتنا في تجاوز حدود الاستعمار، وأن فلسطين كل فلسطين هي قضية كل مسلم، ولن يُفتح الأقصى طالما بقى من بيننا من يدعم حكاماً يتآمرون على فلسطين وأهلها. إنه صراع حق وباطل، فمن أراد أن يكون مع الحق فليتحرر، ومن استعذب الباطل فلا يلومن إلا نفسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.