بوتسوانا.. ثغر إفريقيا الباسم

مدونات - بوتسوانا
هناك بعيدًا، على تخوم رأس الرجاء الصالح، فنّدت بوتسوانا التقارير الاقتصادية والدراسات التنموية التي أجمعت على أن لا أمل يرجى من تلك البلاد وأهلها، ولا مهرب لهم من كماشة الفقر والمرض ولعنة الجغرافيا التي حبستهم في منطقة لا تتجاوز مساحة ولاية تكساس، ولا تطل على أي مسطح مائي.

عندما ضربت الأزمة الاقتصادية أسواق العالم، وهزت موازين الدول بشكل غير مسبوق، نهاية العقد الماضي، كانت بوتسوانا تسير في اتجاه معاكس لكل التوقعات، وتقفز من قارب البلدان المهددة بالإفلاس إلى سفينة الدول الأسرع نموا، في تحول أبهر المحللين الماليين ولفت انتباههم إلى هذا البلد الذي كانت المنظمات الصحية العالمية تتوقع أن يموت نصف سكانه خلال عقدين بسبب الانتشار الوبائي الكبير لمرض نقص المناعة الإيدز.

لم يكن سبب هذا التحول، المفاجئ للبعض، اكتشاف حقل نفطي ضخم أو افتتاح منجم جديد للماس والذهب، بل بني على قرارات حكومية جريئة اتخذتها سلطات غابورون، ركزت أساسا على الحد من الفساد الإداري ومحاربة الرشوة في المؤسسات الرسمية، ولتتخيل حجم هذا التطور يكفي أن تعلم أن المواطن البوتسواني انتقل دخله السنوي من 70 دولارا في السنة بعد استقلال البلاد، إلى أكثر من 16 ألف دولار سنويا اليوم بفضل قرارات إدارية لم تكلف الدولة سنتاً واحداً.

خلطة التقدم والازدهار أبسط مما يروجه طباخونا ذوو النياشين. إنها كثير من العدالة، وابتعاد تام عن أي مستوى من الفساد، ومقادير مناسبة من التعليم والصحة، تقدم على طبق من الكرامة.

هذا التحول الإداري صاحبته رؤية اقتصادية وتنموية قاعدية واضحة المعالم، سعت إلى بناء دولة أنهكها الفساد وانتشار الجهل والمرض، وركزت على التعليم الابتدائي والثانوي، وتقديم رعاية صحية مجانية عالية المستوى للمواطنين، ومنح أراض زراعية مستصلحة للشباب والأسر التي تقطن الريف. والتركيز على بناء بنية تحتية متينة تستخدم أحدث ما توصلت إليه التقنية في مجال الاتصالات والخدمات اللوجستية، وتبني اقتصادا سياحيا مختلفا عن الدول المجاورة.

بوتسوانا تصنف اليوم من قبل مجموعة موديز كاقتصاد عالمي واعد، وتأتي في المرتبة الأولى إفريقيا على سلم الشفافية ومكافحة الفساد، وتمكنت من الحد من انتشار الإيدز بشكل كبير، بتوفير علاجات كاملة للمصابين والتوعية بسبل الوقاية من المرض. وتؤكد الدراسات أن نمط الحياة فيها أصبح يضاهي نظيره في تركيا وتايلاند. واستقطبت عاصمتها عددا كبيرا من الشركات التقنية والتجارية الكبرى، منها اتش بي للكومبيوترات، وبنك باركليز، وشركة تيفاني وغيرها.

لم تستعن حكومة بوتسوانا بالسحر للخروج من مغارة التخلف، ولم تعلن -كما يفعل حكامنا- عن خطط خمسية وعشرية، ولم تدشن رؤية استراتيجية لما بعد القرن الحادي والعشرين، لا تساوي غالبا قيمة الورق الذي كتبت عليه، بل أعادت النظر في السبيل الأمثل للاستفادة من الموارد المتاحة وتطوير أداء الاقتصاد بالاعتماد على المواطن وحده.

فخلطة التقدم والازدهار أبسط مما يروجه طباخونا ذوو النياشين. إنها كثير من العدالة، وابتعاد تام عن أي مستوى من الفساد، ومقادير مناسبة من التعليم والصحة، تقدم على طبق من الكرامة.