عن حصاد تموز

مدونات - لاجئو سوريا
لا تظنوا أنكم ستلاقون في هذه المدونة أيّاً من حقول القمح، أو أشعة شمس تصبغ حِلّتها على سنابل الحقلِ، ألوان ذهبية وتربة مزهوة، فإيّاك أيها القارئ أن يغرّك رؤوس الصفحات من عناوين تُستخدم للجذب فيما يملأ حشواها سموم آلام ومعاناة شتّى، تماماً مثل غصنٍ تعرّى حينما سقطت أوراقه وانحنت أعناقه، حصاد أوطاني ليس كغيره، فلكلٍّ شهرٍ طقوسه ومفاجآته الخاصة في أقطارنا العربية، أودعنا حُزيران تاركاً لنا فوضى عارمة في مختلف البلدان من المحيط حتى الخليج، أو بصحيح العبارة في محيط الخليج، والشغب الذي أحدثه أبناء المملكة ومضايقتهم لشقيقتهم قطر، وصفقاتهم المليارية لدعم الغرب مقابل وصاية تكفيهم شرورهم، وحرب اليمن التي لم تنتهي بعد، وذعر الانقلابات المُفاجئ الذي أصاب أركان الإمارات..

ليقف الشقيق اللبناني متأملاً يبحث لنفسه عن أولوية في عناوين الصحف والاخبار، فيسارع ليختتم الشهر بالاعتداء على السوريين في مخيمات عرسال وافتعال الحرائق في مخيمات البقاع التي يقطن فيها السوريين أيضاً، أقطارنا العربية تشتعل غضباً وحقداً فيما بينها، وكالعادة تُثير الشغب وتُحدث ضجّة لتلقى ثناءً من الدول المسيطرة، فيما نتكلم وما تعجّ به البلدان العربية في هذا الوقت من مقاولات ومداخلات وحروب باردة ومنها طائفية، يُصدر الشارع السوري مفاجآته الغير متوقعة كالعادة، وبلا سابق إنذار أو تغطيات صحفية، صفقٌ صحفي رهيب يُقدمه النظام السوري لأبناء سوريا ما والاه ومن ثار على حُكمه!!

لا زلنا نرتل للربيع العربي، بتبريكات أمريكية روسية، وتأوهات ثكالى فقدن ابناءهنّ إمّا موتاً أو اعتقالاً، ساقنا حُكامنا للجحيم مثلما فعلوا بفلسطين والعراق، وهللوا لأنفسهم إمّا هم او يحرقون البلد، وفعلوا..

تعجبّ الشعب السوري لما أصدرته الصحف الرسمية للمصرف المركزي السوري عن العملة الجديدة من فئة الألفين والتي رُسم عليها صورة بشار الأسد الذي ثار الشعب على حُكمه وأسقط شرعيته، صورة الرجل الذي سفك وأراق دماء شعبه، وزقّ شُبان بلاده في غياهب السجون وظُلمتها، صورة ذاك الرجل الذي وقّع على احتلال الوطن من قبل روسيا وعمالة حزب الله وإيران، وبكل بساطة فرض اليوم عملة تحمل صورته وعلى الوجه الآخر مجلس الشعب!! بين الوجهين ما الرسالة التي يحاول سفاح شعبه أن يوصلها رغم إسقاط شرعيته، أو ما الخطة التي يرسمها اليوم محتلين بلادي؟، لقد كانت ردود الشارع السوري المعارض ساخرة غاضبة وما بين الإثنين يائسة، فقطعاً صارت بلادي مُقسمة، بدءاً من إعلان النظام عن إلغاء جنسية السوري بتغير الهوية، إلى تثبيت الحاكم الطاغي بوضع صورته على العملة السورية.

عن سوريا التي بِيعت اليوم وبغضون ست سنوات حكموا عليها بالزوال، لن يبقى هناك سوري غير من عَبِد وتعبدّ الطغيان، ستكون الهوية الورقية الفاصل في جنسيتنا، فحتى الأرض لن تبقى سوريا وقد نرى بعد بضع أعوام مدينة مركونة محاذاة الحدود تسمى سوريا، أمّا الباقي، فهنيئاً لتركيا وروسيا وأميركا وإيران، هنيئاً أولاً لآل الأسد قد استطاع هذا النظام أن يوهمنا أننا جمهورية، فيما يحكمها حكماً ملكي استبدادي، هذا حصادنا لهذا الشهر ولا زلنا ننتظر بقيته، نترقب القادم من مفاجآت.

عن حصاد تموز و حزيران والأشهر الميلادية كلها نتحدث، عن ربيع ثوراتنا العربية التي ألحقتها رياح الخماسين والصحارى، لتجُفّ وتجني قطاف يبسةً، ليبيا مثّلت في جثة حاكمها على سبيل الانتقام لتقع مرّة أخرى بين أذرع الاستعمار بذريعة الحماية، ومصر التي أسقطت مُبارك وخلعته أهدوها حاكماً ثقيلاً تسلّط وتفشى فساده واليوم تعجز عن خلعه، أمّا عن سوريا التي طالت ثورتها التي بدأت بدعم المملكة وتركيا وغيرهم، لتنتهي باتفاق يقضي ببراءة الأولى منها وتوغل الثانية في أراضيها، ولازال الحاكم رغم إسقاط شرعيته يتربع مجلس الشعب وينفذ أوامر المحتل، حصادنا منذ البادية لم يكن بقوتنا وحدنا وعزيمتنا، لم نستطع التغلب على أنفسنا فسقطنا نحن ولم يسقطوا، وأحرقنا الحصاد واحترقنا معه، وسادتنا يستبدلوننا بشعوب أخرى يشرعون لها دساتير تقتضي بعبادة الحاكم، والخضوع له في الأمر، ولا زلنا نرتل للربيع العربي، بتبريكات أمريكية روسية، وتأوهات ثكالى فقدن ابناءهنّ إمّا موتاً أو اعتقالاً، ساقنا حُكامنا للجحيم مثلما فعلوا بفلسطين والعراق، وهللوا لأنفسهم إمّا هم او يحرقون البلد، وفعلوا..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة