الأنثى والغربة

blogs الأنثى

تزاحمت الرجال الغريبة على أرضٍ أعجمية لتُصلي على أماني رحمون التي لم يُسمع بها إلا بعد اغتصابها حاملًا وتهشيم رأسها ورأس رضيعها من رجلين تُركيين إثرَ خلافهما مع زوجها، تحرّكت الجموع العربية والتركية من أنقرة وإسطنبول لحضور الجنازة، كان ينبغي للنساء العفيفات العاديّات أن تُنتهك حُرُماتهن لتلتفت إليهن أنظار الرجال والمسؤولين والنسويات والمنافحات عن حقوق المرأة، أمّا شظف العيش وذل الغربة ووحشة الدّرب وتسلط الحاجة وقهر العمر فليست بالقضايا التي تجذب القوم أو تستدعي انتباههم، من غير دمٍ ينزف به شرفنا المتكوّر على بلاط الغربة عاريًا لن نجد بواكٍ ومحتشدين، ولن تلتفت إلينا أعناق المصلّين.

 

يعود جسد أماني المتلفع بدماء الغدر اليوم إلى سوريا ليُدفن هناك، ولا يستطيع التراب بثقله وكثافته أن يوقف نزفها المتجاوز الحدود إلى جباهنا المتعبة، ولا تستوعب الأرض السبب الذي يجعلها تُورد أبناءها أعزاء فيرتدّون مغتَصبين أكلتهم الغربة والمذلّة وأكلوا أنفسهم حاجةً لكنّهم من قدور الغير ما أكلوا.

 

لا أستطيع لحظة أن أتخيّل الطريقة التي انتهت بها حياة أماني وابنها الذي ما عرف من الحياة إلا 9 من الأشهر معدودات، أستحضرهما كهاجر وإسماعيل في الصحراء جائلي المرام قلقي الفؤاد إلا أنها ليست فقط بواد غير ذي زرع بل بلا بيت محرّمٍ ولا وجوه تعرفُها ولا ألسنةٍ تفقه رطينَها؟!!

 

لا مزادة لنا في غربتنا هذه إلا يقينٌ أن الله لا يضيمنا، ربّما لسنا هاجر ولا من ذرارينا أنبياء لكننا بناتُ هاجر ولنا بها رحم وعلينا بره ومن البر يقينها الذي نحمله في غربتنا وصحارى العمر الممتدة، يقنُنا بصاحبَ الرزق ووليّ الأمر أنه لا يضيمنا ولا يضيعنا

تُلحُّ عليَّ هاجر وقد أودعت في صحراءَ خِلوٍ إلا من جرابِ تمرٍ وقليلِ ماءٍ وكثيرٍ كثيرٍ من اليقينِ بالله المتدفِّق من قلب على لسانِها وهي تقولُ لإبراهيم: آلله أمرك بهذا؟ فلمَّا قال: نعم، ردّ اليقينُ الصّلب: إذن لا يضيّعنا، وربما لو تُركت هاجرُ وحدها لكان الامتحان أقلَّ تعبًا لها فالأنثى – فطرةً – لا تقلق لنفسها بقدر ما تقلق لمن تنتمي لهم وينحدرون منها، فهي لسواها تعيشُ، وحياتُها تُعشب بابتسامةٍ ممن تعيش لهم وبهم، وتغادرُ آلامَها أمام أدنى وصبٍ منهم، وسرعان ما تنسى إساءتهم وتغفر خطيئتهم فيطمعون ويتمادون ورغم ذلك تبقى على حالها من الصفح الجميل، نفد التمر والماء وبكى الرّضيع إسماعيل وتلوى كما جاء في البخاري، فاضطربت نفسها وكعادة الأنثى تخشى فتلتفّ، وتخافُ فتتكوَّر، وتحدبُ فتنجذبُ وتجذب، وتواجه فتضحّي، وتنزفُ فتقوم.

 

لذا كانت هاجر تتجنب أن تنظر إلى رضيعِها المرميّ على صفحة الصحراء كنقطةٍ في صحيفةٍ لم تسوّدها الأقلامُ ولا الهموم، وأخذت تسعى ماشية ومهرولةً بعيدةً عنه لعلها تجد حلًّا ما لا تعرفه، ولكنّها موقنةٌ أنّه كائنٌ لا محالةَ، فالأمّ قلبها لا يخطئ، والأنثى لا تؤمن بالفشلِ حين يتعلّق الأمر بأصولها وفروعها، وتُرجِم الاضطرابُ النفسي حركيًّا منها على شكلِ قيامٍ ومشيٍ وهرولةٍ، أي السعيُ بأشكاله كلّها، إلى أن انتصر يقينها بالله على صعوبة الابتلاء، ولتغدو أيقونةً للبشريّةِ يتعبّدون الله تعالى بفعلِها لتبقى مدرسةً خالدةً في كنه الأنثى التي يحيلُها الألمُ عنوانَ يقينٍ وتجعلها الغربةُ بوابةَ رِيٍّ فتكون زمزمُ عنوانَها.

 

لم تنجُ أماني كما نجت هاجر وإن صبرت صبرها على الغربة وضنى الابن كانت زفرتها الأخيرة إيذانًا بالانتقال لأرحم الراحمين وخطيئةً تُطوّق رقاب المجرمين، وأيقونة جديدة في خساراتنا وخيباتنا وجراحنا المتراكمة

وإن منَّا إلا أجاءته المِحَنُ إلى الغربة صحراء الحياةِ ومعه مَن يجب عليه أن يرعاه وبعيدٌ عمّن لا يستطيع العيش دونهم، وجرابُه لا من تمرٍ ملئت بل من دمعٍ وهمومٍ وذكريات، فنحن هنا همومٌ مركّبةٌ وجمعٌ من ذواتٍ تنصهر فيها الذات فتنشأ فينا كينونةٌ من تمازج الأضدادِ وتبقى فينا المعركةُ التي تتصارعُ جيوشُها بلا حسمٍ، ولا مزادة لنا في غربتنا هذه إلا يقينٌ أن الله لا يضيمنا، ربّما لسنا هاجر ولا من ذرارينا أنبياء لكننا بناتُ هاجر ولنا بها رحم وعلينا بره ومن البر يقينها الذي نحمله في غربتنا وصحارى العمر الممتدة، يقنُنا بصاحبَ الرزق ووليّ الأمر أنه لا يضيمنا ولا يضيعنا وأنه أرأف باضطرابنا وتشظينا منا، وأنَّ سعينا على خطى هاجر لا يضيعُ سدىً.

 

فعيوننا ترقبُ زمزمَ تحت أقدامِ من نحدبُ عليهم ونشقى لأجلهم ليرتووا هم وما ضرّنا أن نبقى عطاشًا من الماء وتروينا زمزمُ العطاءِ الصافي، وربّما لم يكن لأماني نبوءة زوجٍ وابنٍ تحميها، ولعلها لم تنظر لعيني ابنها الباكي على مقربةٍ منها لا خوفًا من أن تزداد قلقًا عليه بل لأن مغتصبها زرع عينيه الحقيرتين بعينيها فاستكانت، لم تنجُ أماني كما نجت هاجر وإن صبرت صبرها على الغربة وضنى الابن كانت زفرتها الأخيرة إيذانًا بالانتقال لأرحم الراحمين وخطيئةً تُطوّق رقاب المجرمين، وأيقونة جديدة في خساراتنا وخيباتنا وجراحنا المتراكمة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة