ماذا أصاب العلماء؟

كنا في الثمانينات، في عصر ما يسمى بعصر الرصاص، نتتلمذ على أيدي علماء لا يخشون في الله لومة لائم، علماء لهم هيبة ويسبقهم نور، لا يمل المرء من النظر في وجوههم والاستماع لمواعظهم. كانت وقتئذ مساجد مدينة الدار البيضاء المغربية خصوصا تغص بالمصلين وكأنك في الحرمين الشريفين، وتسمع لهم أَزِيزا كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ بكاءً لا تستطيع معه السيطرة على مشاعرك فتقشعر الجلود وتسيل المقل دموعا، أذكر من هؤلاء العلماء الأبرار:

الشيخ العلامة المغربي محمد بن أحمد زحل، قال عنه الشيخ كشك، رحم الله الجميع: زحل في السماء وزحل في المغرب، وأذكر منهم الشيخ الوسيم بالقاضي كان الناس يحجون باكرا للاستمتاع بخطبه، ونبرات صوته الثاقبة الساحرة. والشيخ المدني الحافظ يحدِّثُ من حفظه ويُحيلك بدون تردد على الكتاب والجزء والصفحة ويزيد، والأستاذ عصام كان شديد الغضب عن تدهور حال الأمة، منتقدا للمسؤولين والقادة. نزل يوما من على منبر خطبة الجمعة وسجد سجدة شكر أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن، "إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحِجر، الآية: 9) ولو أوكل الأمر لغيره لضاع.

أيها العلماء، إن ديدن السلاطين ألا ينظرون إليكم إلا كما ينظرون لأدوات الشطرنج، كلها فداءً للملك، فلا تنجرّوا لمعارك خاسرة، فإن الله عز وجل جعلكم في المرتبة الثانية بعد الأنبياء والرسل

كانت دروسهم تربية على أصول الدين: غيرة على المحارم، وصدق في المعاملات.. ولم تكن وقتئذ وسائل المواصلات بالشكل التي عليه اليوم، فكنت ترى جماعات تلو الجماعات راجلة قاصدة المساجد في جو رباني رغم بُعد المساجد. وكانت خطب الجمعة تذكيرا بما يشغل ساكنة الحي أو المدينة ومناقشة قضاياهم، والاهتمام بما يشغلهم. أما خُطبتا العيدين فهما لقضايا الأمة وفي مقدمتها قضية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الذي عشنا حتى شاهدنا من يغازل الكيان الصهيوني ويحاصر المقاومة ويعتبرها إرهابا، ويحاصر كل من يدعمها، كل ذلك بفتاوى علماء السلاطين.

نعم، كان هؤلاء العلماء أحرارا تهتز المنابر من تحت أرجلهم، فعلمونا العزة والأنفة وموالاة المسلمين وحسن المعاملة مع الغير. واليوم، وكل الدول تسمي نفسها دول ديمقراطية، وتتغنى بهذا صباح مساء، في هذا الجو التحرري المزعوم تخلى العلماء عن نصرة الحق، تخلوا عن أدوارهم المنوطة بهم، وباتوا يغردون خارج السرب، أراضينا تغتصب، ودماؤنا – شرّف الله قدركم-أصبحت أنذل من البول، وأموالنا يتزلّف بها حكامنا لأعدائنا طلبا للشرعية والحماية.. وعلماؤنا يتحدثون لنا عن الطاعة والمطاوعة والفتن، وأحكام النساء.. ويختمون دروسهم بأدعية حفظوها على ظهر قلب طويلة للأمراء بالنصر، بالنصر على من أيها العلماء؟ إن كان النصر الداخلي فكفى لقد أصبحت الشعوب عبيدا تساق كالبهائم، وإن كنتم تقصدون القادة الغرب فإنما يحج قادتنا إليهم تباعا محمّلين بهدايا وملايير الدولارات..

وإذا انتُقِد العلماء، قال البعض محذرا: لحوم العلماء مرة علقم. هذا متفق عليه، لكن هل فعلا هؤلاء علماء؟ ما هي صفات العلماء؟ العلماء ورثة الأنبياء، هم فوق السلاطين، إذا أحسن القائد وجب على العلماء مساندته وحث الناس على الطاعة والمآزرة، وإن لم يحسن وجب نقده ودعوته للعدول عن موقفه. والحمد لله لقد اتضحت الأمور، وما كان مستترا أصبح ظاهرا مكشوفا مع حصار قطر واتهام المقاومة الفلسطينية بالإرهاب. هنا جور الحكام واضح إن لم يستطع العالم أن يجهر بكلمة حق له فليس من العلماء بل إنه من العملاء، وهو خائن للأمانة ووجب خلع كسوة العلم عليه حتى لا يغتر بفتاواه الناس ويستغله الحاكم لظلم الناس.

أيها العلماء.. أنتم أعلى مرتبة من السلاطين، الله جعلكم تتحدثون نيابة عنه وتوقعون باسمه، فاعدلوا، فما عند الله خير مما عند غيره، ولا تجادلوا عنهم ولا عن غيرهم، بل جادلوا حصرا لإقامة العدل

ابتُليت أمتنا بصنفين: أحزاب ونقابات تُشترى بدراهم معدودات وعلماء لا يتحدثون إلا بما يُرضي الولاة. أيها العلماء، إن ديدن السلاطين ألا ينظرون إليكم إلا كما ينظرون لأدوات الشطرنج، كلها فداءً للملك، فلا تنجرّوا لمعارك خاسرة، فإن الله عز وجل جعلكم في المرتبة الثانية بعد الأنبياء والرسل. الناس يرثون الأموال من آبائهم، وأنتم ترثون علم الأنبياء والرسل. أنتم للمسلم كالقلب للإنسان، إن صلحتم صلَحت الشعوب، وإن فسدتم فسدت الشعوب.

أنتم أعلى مرتبة من السلاطين، الله جعلكم تتحدثون نيابة عنه وتوقعون باسمه، فاعدلوا، فما عند الله خير مما عند غيره، ولا تجادلوا عنهم ولا عن غيرهم، بل جادلوا حصرا لإقامة العدل لا شيء غير العدل، فقد يعطيكم السلطان ما يسعدكم لحظة، لكنه إن أخذ، أخذ منكم كل شيء وترككم في حسرات في الدنيا والآخرة.

فهل سينتفض العلماء، وهم ورثة الأنبياء ويعلنوها ثورة من أجل استقلال مؤسساتهم، ويسترجعوا هيبتهم ويتحلّوا بالوقار، ويترفعون عن مجاراة الساسة والقادة؟ أم سيكونون معولا في يد المفسدين والمتآمرين للفتك بمقومات الأمة الإسلامية؟



حول هذه القصة

قال وزير شؤون القدس زئيف ألكين إن إسرائيل مطالبة بالاستعداد لليوم التالي لغياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بصورة مفاجئة، خاصة أنه لم يعد منظومة إدارية لنقل السلطة إلى خليفته.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة