مأساة الإنسانية وشقائها.. "الأنانية"

هذه التأملات؛ عبارة عن قراءة تأويلية متحيزة لا تخلو من شيء من "الذاتية" لأحداث وشخصيات رواية الإخوة كارامازوف للأديب الروسي العملاق تيودور دوستويفسكي، ولعل في نظريات الأدب المعاصر ما يبرر هذا النوع من القراءة والتحليل، فالأديب لما يبدع عمله؛ سيكون دوره قد انتهى تماما! ليأتي دور المتلقي الذي يجب عليه أن يُحطّم ويتجاوز أفق المبدع الأصلي، سيكون عليه أن يقرأ ذلك الإبداع بطريقته الخاصة، حسب ما تفرضه إمكانياته الثقافتية والعقلية والوجدانية وظروف التاريخية.

إن كل قراءة في الأدب بهذا المعنى هي قراءة غير بريئة! لا ترض لنفسها أن تظل سجينة الأسطر والصفحات وما هو معطى جاهز؛ إن القراءة الغير بريئة تحاول سبر أغوار النص وتعمل على توسيع دلالاته إلى أبعد مدى، متجاوزة المنطوق إلى المفهوم الذي ربما لم يقصده حتى صاحب النص ذاته، ولا شك أن كل الإبداعات التاريخية التي ظلت تفرض نفسها بقوة، في مجال الفن والشعر والحكايات والقصص الشعبية والنصوص الدينية الخالدة التي تتحدى الزمن، ما كان لها أن تكتسب هذه القوة عبر التاريخ لو لم تكن ذات طبيعة "رمزية" جعلتها عصية عن التحليل الأحادي البسيط، بل إنها ظلت تستفز العقول والأفهام التي دائما ما تعمل على توليد دلالات جديدة ومتجددة لكل وقت وعصر.

إن الصراع الذي يدور داخل أسرة كارامازوف الصغيرة هو اختزال للمعاناة وتناقضات المجتمع الروسي خاصة والبشري عامة، وقد حاول دوستويفسكي عبر النحت في الأعماق السيكولوجية لشخصيات روايته أن يقدم صورة عن الدوافع الحقيقية المحركة للسلوك الإنساني داخل مجتمعه، ذلك السلوك الذي يتجاذبه طرفي الخير والشر.

دافع الأنانية الزائدة وحب الذات بشكل مرضي، يمثله الأب فيدور بافلوفتش كارامازوف الرجل الطفيلي الفاسق، الذي بدأ حياته متملقا ومداهنا للأقوياء الذين كان يشتغل عندهم.

وبعد أن بينت المنهج المتبع؛ فسأشرع الآن في بيان الدافع الأول، وهو دافع الأنانية الزائدة وحب الذات بشكل مرضي، والذي يمثله الأب فيدور بافلوفتش كارامازوف الرجل الطفيلي الفاسق، الذي بدأ حياته متملقا ومداهنا للأقوياء الذين كان يشتغل عندهم، لكنه مع كل هذه الوضاعة كان لا يخلو من فطنة وذكاء، جعلاه مع الأيام يستقل بنفسه ماديا، لتظهر فيه بعد ذلك كل مظاهر العجرفة ويغدو رجل الشهوة بامتياز، بحيث جعل محور حياته هو البحث عن الملذات وتتبع المباهج أنا كانت، إن حياته الماجنة وأنانيته المفرطة جعلتا منه يتجرد من كل مشاعر الأبوة اتجاه أبناءه الذين كان يتخلص منهم بكل بعد أن يأتوا إلى الحياة.

إن الأب لا يجد أدنى حرج في الدخول مع ابنه الأكبر "ديميتري" في صراع تراجيدي على معشوقته (كروشينكا) المرأة العاهرة التي تستمتع وتنتشي بمنظر صراع الأب والابن حولها، إنها سبب ومحرك الصراع في كل الرواية ومصدر الغواية لهما معا! بحيث امتلكت القدرة عل اللعب بـ "قلبيهما" كما تشاء، لتكشف هي الأخرى عن أنانية خبيثة، فهي لا تميل لا إلى هذا ولا ذلك، ولا تكاد تفهم مشاعرها حتى، وبنزوعها نحو القصف واللهو والمباهج على حسب تأخير الحسم في معاناة الإبن والأب التي لا تنتهي؛ فإنها بهذه الصفات تمثل الجانب الشيطاني في الإنسانية!

إنني هنا لا أهتم بمسألة إلى ماذا كان يغمز دوستويفسكي من خلال إيراده لشخصية الأب بهذه الملاحم النفسية والأخلاقية المنحطة في سلم القيم؟ ما يهم هو أن الأب قد عوقب على جرائمه وأفعاله، حيث قد مات مقتولا على يد خادمه "سميردياكوف" الذي يفهم من خلال سياق الرواية أنه قد ولده بطريقة غير شرعية من امرأة حمقاء متسكعة بعد أن اعتدى عليها (جنسيا) في الشارع ولم يعترف به بعد ذلك!

ومن المفيد أن نستحضر هنا، أن الطابع الذي ميز حياة الأب هو أنها خالية من جانب الروح، حياة "استهلاكية" بلا معنى، وقد انعكس هذا الطابع الاستهلاكي المادي على علاقاته بزوجاته اللواتي كن ينظر إليهن نظرة استهلاك أناني واستمتاع خالي من أي حب أو تقدير، فكانت النتيجة المأساوية وهي الموت وتفكك الأسرة، إن الأنانية عندما تطرق باب المشاعر الإنسانية (الأبوة هنا) فإنها تحطم الروابط والعلاقات وتفكك اللحمة الاجتماعية وتشتت الشمل.

وإنني سأتوقف عند جانب آخر يكشف البعد الأناني في شخصية الأب الذي كانت حياته عبارة عن حسابات مادية حول "الإرث" وذلك في صراعه مع ابنه عدوه وغريمه، وذلك في الجزء الثاني من هذه الوقفات الذي سأخصصه للأبن الاكبر: ديمتري كارامازوف. الذي يمثل بدوره قضية أخرى من قضايا الإنسانية.



حول هذه القصة

تحتفل الأوساط الثقافية في روسيا اليوم بالذكرى التسعين بعد المائة لميلاد الكاتب الروسي فيودور ميخائيلوفتش دوستويفسكي (1821-1881) أحد أعظم الروائيين في العالم والذي ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات وأصبحت مصدر إلهام للفكر والأدب المعاصر.

يستحضر الكاتب إبراهيم صموئيل قصة تأثير رواية دوستويفسكي “ذكريات من منزل الأموات” في القيصر الروسي الذي أمر بتحسين أوضاع المعتقلين بسيبيريا، ويتساءل عن موقع “القياصرة” العرب من الثقافة والمعرفة.

في مثل هذه الأحوال المظلمة المخيفة، لا يكون الجدال إلا عقيماً حول “الحقائق” والمسؤوليات والتهم. الحقيقة مراوغة مستعصية في نظر الفلاسفة والأدباء، لكن حقيقة القتلة والضحايا واضحة مثل سطوع الشمس.

يحتفي مشروع “كلمة” للترجمة بهيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة بمرور عشر سنوات على انطلاقه، وينظم السبت المقبل ندوة حول تجربته في ترجمة الأدب العالمي، وذلك ضمن معرض أبوظبي الدولي للكتاب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة