حتى لا تصل رياح الريف إلى وادنون

شكل حدث وفاة محسن فكري شرارة انطلاق ما بات يعرف بحراك الريف، فتغيرت المطالب من التحقيق في وفاة محسن فكري ومعاقبة المتسببين المباشرين أو غير المباشرين في هلاكه إلى ما هو أعمق من ذلك بالمطالبة بالحق في التعليم العالي والتوظيف والصحة لساكنة إقليم الحسيمة، بالإضافة إلى رفع العسكرة. كل هذه مطالب مشروعة وحق تضمنه الدولة لمواطنيها ولا عيب في أن يطالب بها المواطن وتشكل التزاما شبه تعاقدي بين الدولة ومواطنيها.

وهذا ما أجمعت عليه الحكومة التي أقرت بمشروعية تلك المطالب ما دامت لا تخل بسير النظام العام

ولا ضرر فيها على المؤسسات ومصالح المواطنين بشكل عام. إن ما وقع في الحسيمة أعمق بكثير من مطالب عادية ومعقولة بل يتجاوز ذلك إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة وأزمة نخب سياسية عززت وجودها في مراكز تدبير الشأن المحلي بطرق غير مشروعة، فما وقع من غضب شعبي يوضح بالملموس فشل تلك النخب المحلية وفشل بعض الأحزاب السياسية التي تهيمن على الساحة السياسية بالإقليم في التعاطي مع الشأن المحلي وخدمة المواطن. نخب كرطونية لا مناعة لها أمام متطلبات المواطن اليومية وتمثيليات حزبية ضعيفة غير قادرة على صنع الفعل السياسي واستقطاب الشباب.

لو كانت هناك نخب بالحسيمة قريبة من تطلعات المواطن وتقدر أولوياته، حاضرة بقوة في كل زمان ومكان لا تظهر فقط بشكل موسمي من تاريخ الاقتراع إلى تاريخه المقبل. لما وقع ما وقع، ولكانت الدولة في غنى عما آلت إليه الأوضاع الآن.

إن حراك الريف عرى واقع النخب غير القادرة على مواجهة المواطن وإقناعه بالحلول التي تقدمها الدولة أمام تسارع وثيرة غضبه بل تساهم فقط بهدم الثقة بين الدولة ومواطنيها بتصرفات لا مسؤولة ووعود كاذبة وحسابات ضيقة تراعي المصلحة الخاصة لا العامة. وبالعودة إلى منطقة وادنون أو جهة گليميم وادنون بالتحديد فما عرفته السنوات العجاف الماضية التي تميزت بركود سياسي وتنموي. سنوات تميزت بتطاحنات بين أعداء الديموقراطية المحلية وبين من أنصفتهم صناديق الاقتراع وجعلتهم في واجهة تدبير الشأن المحلي. فهذا الصراع الذي تقوده نخب تلاحقها شبهة الفساد وراكمت رصيدا من سوء التدبير وتفننت لسنوات في البلطجة تحت غطاء السياسة. يطرح من جديد مشكل سوء اختيار الأحزاب السياسية لمن يمثل لونها السياسي في العملية الانتخابية ويجعل من تمثيلياتها المحلية مجرد أداة في يد شخص أو أشخاص فتكاد تلك التمثيليات الحزبية تجتمع في حزب واحد يحمل اسم شخص واحد رأسه الفساد وذيله التنمية.

إن التطاحنات التي يقال إنها سياسية في الظاهر- لأن السياسة لا تدار على هذا المنوال- والتي تخفي في الواقع عدم اقتناع تلك النخب بأن زمنها قد ولى، فما كان لها إلا أن تختار الوقوف عكس إرادة المواطن بدعوى أنها تمارس المعارضة ونسيت أو تناست أن المعارضة والأغلبية هدفهما خدمة المواطن. فاتجهت تلك النخب إلى الانتقام من المواطن وجلده بطريقة غير مباشرة نظرا لاختياره التغيير فتسعى بشتى الطرق إلى معارضة كل ما فيه مصلحته ولعل خير دليل على ذلك ما عرفته دورة جهة گليميم وادنون السابقة من استهتار بالمشاريع التنموية ومصالح المواطنين مما يضاعف من أزمة انعدام الثقة بين الدولة والمواطن بتلك التصرفات الغير محسوبة والعشوائية.

الأوضاع بوادنون اليوم لا تبشر بخير ما دامت مصلحة المواطن في الدرك الأسفل من اهتمامات بعض النخب المحلية والتي تسعى إلى توظيفها في حسابات ضيقة تزيد من توسيع رقعة الاحتقان الاجتماعي وتنذر بما هو أسوأ وتستدعي تدخلا عاجلا.

فلو كانت هناك نخب بالحسيمة قريبة من تطلعات المواطن وتقدر أولوياته، حاضرة بقوة في كل زمان ومكان لا تظهر فقط بشكل موسمي من تاريخ الاقتراع إلى تاريخه المقبل. لما وقع ما وقع الآن ولكانت الدولة في غنى عما آلت إليه الأوضاع الآن. نفس ما وقع هناك هو ما نراه الآن بوادنون، فالدولة أعطت الانطلاقة لمشاريع تنموية التزاما منها بالتعاقد الذي يربطها بمواطنيها، لكن المنتخب وقف ضد تلك المشاريع وحال دون انطلاقها مستغلا بذلك القانون وأعذارا واهية لا قيمة لها أمام المطالب الملحة للساكنة وأمام الإرادة الصريحة للدولة في تلبيتها، وفي الأخير ستجني الدولة مساوئ نرڤزة وعجرفة تلك النخب خصوصا بالأقاليم الصحراوية التي تتبجح البوليساريو بانعدام التنمية بها على المنصات الإعلامية وفي الملتقيات الدولية، ولعل تعنت هذه النخب لوقف المشاريع التنموية بالمنطقة لا يشكل سوى فرصة من ذهب للبوليساريو لكي تروج أطروحتها مستدلة بهذه التصرفات اللامسؤولة.

إن ما يعرفه الريف اليوم من تطورات خطيرة وما تعرفه وادنون من تلاعبات بمصالح المواطنين يستدعي من الأحزاب السياسية إعادة قراءة في طريقة اختيارها لمن يمثلها في مكاتبها المحلية والعملية الانتخابية على الصعيد المحلي، لأن التجارب السابقة لا تخدم لا الدولة ولا المواطن ولا تلك الأحزاب. إن الأوضاع بوادنون اليوم لا تبشر بخير ما دامت مصلحة المواطن في الدرك الأسفل من اهتمامات بعض النخب المحلية والتي تسعى إلى توظيفها في حسابات ضيقة تزيد من توسيع رقعة الاحتقان الاجتماعي وتنذر بما هو أسوأ وتستدعي تدخلا عاجلا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة