الغش في المدارس.. من الملام؟

نكاد في العالم المعاصر، أن نخطو أولى خطواتنا في المدارس، ونكاد أن نشيخ بين جدرانها، تمتصنا هياكلها، وتأخذ منا وتعطي، اليوم، كثيرون هم الذين ينتقدون النظام التعليمي، واصفين إياه، بقاتل للإبداع، وقد يكون في هذا الكلام، شيء من الحقيقة وشيء من الإجحاف. لا زال ليومنا هذا، وربما المستقبل يخبئ لنا طرقا أخرى في التقييم، لا زال التقييم يقام على أساس الاختبارات الكتابية والتنقيط.

يقيم الأستاذ طالبه بعدد النقاط المحصلة، في اختبار يختصر جهود السنة، في ساعة، تتراكم فيها عوامل الارتباك والنسيان. أصبح طالب اليوم، طالب نقطة لاعلم، وبما أن الغاية تبرر الوسيلة، وكل الطرق تؤدي إلى روما، فقد استفحل الغش، وأنار سبله.

الطالب الغشاش، يحكم عليه بالغباء، لكن، ليكن تحليلنا أعمق قليلا، فهو بات يفكر، ويحلل، ويدرس، أي الطرق هي الأمثل، ليغش براحة تامة، حتى وعيون المراقب تحوم حوله، وهكذا سيكون قد امتص ذكاءه فيما يهلك به المجتمع، فأي فائدة سيرجاها المجتمع، من شهادات إنما في حقيقتها، هي إهدار للحبر والورق.

لكن في خضم الموضوع، وجب علينا أن نطرح على أنفسنا سؤالا مهما من المجرم حقيقة؟ هل هو الطالب الذي بطبيعته لا يرضى الفشل، ويرضى بكل الوسائل التي تؤدي به لنجاح موثق، أم أنه النظام التعليمي الذي يفرض الحفظ عن ظهر قلب؟ 

جامعاتنا، التي من المفترض أن يكون دورها الأساسي هو تكوين خيرة المجتمع، تكون طالب مهووس بالنقطة، راميا كل معلوماته بعد نسخه إياها في ورقة الامتحان، لا لسبب، بل إنه لن يعود مطالبا بها

إن ما يميز الإنسان، ليست قدرته على الحفظ ، بل على البحث والتحليل والاستنتاج ربما بات لزاما علينا، مراجعة أنظمتنا التعليمية، و جعلها تتوافق مع القدرات العقلية لكل واحد، داخل كل واحد منا نابغة، لو أثرناه، فلن تعود هناك حاجة للغش. إن المطالبة بالحفظ الببغاوي، يحول دون التحليل والاستنتاج، ويجعل من الطالب، متلقي للمعلومة، يتقبلها كما هي، لا يبحث عن تطبيقاتها ولا عن ماهيتها، ففي نظامنا التعليمي اليوم من تفلسف تزندق والباحث المتفحص قد يكون مآله الرسوب.

جامعاتنا، التي من المفترض أن يكون دورها الأساسي هو تكوين خيرة المجتمع، تكون طالب مهووس بالنقطة، راميا كل معلوماته بعد نسخه إياها في ورقة الامتحان، لا لسبب، بل إنه لن يعود مطالبا بها. معلومات قد يكون سهر الليالي لحفظها، أو لأجاد طريقة سليمة للغش. لكن الغش الحقيقي يكمن في طريقة التقييم، التي لا تعنى بطبائع الذاكرة، ولا اختلاف الرؤى. فهل سنلوم ذاك الطالب؟ أم طريقة التقييم؟

هل يا ترى الامتحانات التي تعتمد على التخليل والتي تسمح باستعمال المراجع هي الحل الأمثل لرفع الحس التخيلي عند الطالب العربي اليوم؟ هل نظام يعتمد على البحث والعطاء أكثر مما يعتمد على الحفظ الغبي، سيعطي لمدارسنا دفعة وانطلاقة؟ من الملام حقا على ظاهرة الغش؟ أهو الطالب حقا؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة