الجحيم القادم من مصر

"حضارات الإسلام وأمريكا الجنوبية وأفريقيا ليس لها دول مركز. وهذا جزء منه راجع إلى استعمار القوى الغربية لها والتي قسمت بينها أفريقيا والشرق الأوسط، كما قسمت قبل ذلك أمريكا اللاتينية وإن كان بدرجة أقل. عدم وجود دولة مركز إسلامية يمثل مشكلات مهمة لكل من المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية" صدام الحضارات ص 221. هذا ما قاله صمويل هنجتون في كتابه صدام الحضارات وهو يقسم العالم إلى حضارات رئيسية يحدث صدام دوري بينها طوال التاريخ الحديث والقديم، ويبدو أن غياب المركز مشكلة حقيقية لتلك الحضارات الثلاث "الإسلامية والأفريقية وأمريكا الجنوبية"، إلا أن اهتمامنا الحالي بالحضارة الإسلامية "إذا التزمنا بهذا التوصيف" ويصبح محور الحديث عن الحضارة الإسلامية والمركز المحتمل الذي لا يزال غائبا.

ويضيف هنجتون في صفحة 352 "المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام، فهو حضارة مختلفة شعبها مقتنع بتفوق ثقافته وهاجسه ضآلة قوته"، بالتأكيد هناك من قد يختلف على هذا الطرح، ولكن يبدو أن أحداث العشرين عاما التالية على إصدار ذلك العمل تكاد تؤكد ذلك الطرح، بل لأن فكرة المركز الغائب ربما كانت إحدى أهم محددات الصراع. فغياب المركز الإسلامي ليس فقط أزمة بالنسبة للحضارة الإسلامية ولكن أيضا بالنسبة للغرب، وفي أي صراع وجودي يصبح مركز تحت السيطرة أفضل كثيرا من غياب هذا المركز، ولكن الكارثة بالنسبة للغرب هي أن يتكون مركز خارج السيطرة، وكافة المحاولات التي تشعل الصراع وتظهر التناقض الحاد في المواقف هو نتيجة رغبة الحضارة الغربية أن تستغل فارق القوة المادي الهائل الحالي لتشكيل مركز موال بقدر ما، والقضاء على كافة المحاولات التي تقضي بتكوين مركز حقيقي ينتمي بشكل عميق وحقيقي للحضارة الإسلامية مهما كان بسيطا، فحدوث ذلك في غاية الخطورة على مستقبل الصراع.

الفشل الكبير الذي حققته في الملفين سواء إنشاء نموذج مخادع أو طمس للهوية اضطرهم إلى إظهار الوجه الحقيقي الذي لا يختفي وراء الحقوق والتعددية وتلك المصطلحات اللطيفة التي يرددونها دائما، فهي معركة وجود لابد من المواجهة بالوجه الحقيقي.

والدول المرشحة لتكون دولا مركزية في الحضارة الإسلامية هي مصر وأرض الشام والعراق وتركيا؛ وهي المناطق التي قامت بها مراكز للحكم على مدى التاريخ وتمتلك من المقومات البشرية والمادية ما يمكنها القيام بذلك الدور، وتوجد مراكز حضارية هامة أخرى مثل الجزائر وباكستان ولكنها غير قادرة على أن تكون مركزا أوليا ولكنها تتحرك بسرعة وتندمج بشكل سريع داخل المراكز الأقوى في القلب، وهي المراكز التي ذكرت سابقا.

وربما يؤكد ذلك هو الحجم الهائل من الضغط على تلك المناطق خلال قرون متتالية طويلة ولا زالت تلك المحاولات مستمرة، وبالتالي هذه الدول لا يمكن أن تترك حرة في اختياراتها ولا يخفى حجم التدمير الممنهج الذي ينتهج ضد هذه الدول على مدى التاريخ لمنع قيام مركز حقيقي، بل ومحاولات كبرى لإنتاج أنظمة بداخلها تصبح مركزا مخادعا بعيدا عن تاريخها وهويتها، كما حاولت الحضارات الأخرى "وبالذات الغربية" صناعة مراكز في نقاط أخري في دول -أو بمعنى أدق أنظمة- لتكون مركزا خادعا ومن أهم هذه المراكز الخادعة هي السعودية.

وفي ذكرى 3 يوليو يبدو أننا مضطرون للتعامل بجدية مع ما قاله هنجتون ونبوءته بصدام الحضارات، فحجم الحصار الحالي والضغط الهائل على المنطقة وخاصة مراكزها التي كانت على شفا الخروج من السيطرة وصناعة مراكز حقيقية؛ يبدو أنه يؤكد تلك النبوءة. فمع حجم السيطرة الكونية من الحضارة الغربية وصعوبة التحرر الكامل في الوقت الحالي مع التأكيد على وجود مؤشرات كبرى لتراجع حاد محتمل لها؛ كان لابد من الحفاظ على فارق القوة ثابتا، لذا فإن واجب الوقت للحضارة المسيطرة هو الضغط بقوة على المنطقة للحفاظ على فارق القوة وعدم السماح بأي صعود يحمل طابع الحضارة الإسلامية التي يرونها معادية -وربما هي كذلك- حتى ولو كان هامشيا، فمن التجارب التاريخية الطويلة تأكد الجميع أن أي هامش بسيط لتلك الحضارة قادر على التقدم بقوة وبسرعة وإعادة بناء نفسها مرة أخرى تحت لواء هويتها العميقة.

لذلك لم يكن من الممكن السماح للمراكز الأربعة الرئيسية العراق والشام ومصر وتركيا أبدا بأن تحقق أي قدر من التحرك ناحية هوية الحضارة العدو، وما حدث في مصر من محاولة تغريب كامل على يد نموذج محمد علي الذي يتكرر في مصر أو نموذج العلمنة الشاملة لتركيا أو سيطرة البعث القومي في الشام والعراق هي محاولات مزدوجة لطمس الهوية و إنشاء مركز مخادع. ولقد استمرت تلك المحاولات قرنين من الزمان؛ إلا أن الصحوة الحديثة في المراكز الأربعة باختلاف شكلها لاستعادة الهوية الحضارية شكلت إزعاجا حادا للحضارة المهيمنة، كما أن الفشل الكبير الذي حققته في الملفين سواء إنشاء نموذج مخادع أو طمس للهوية اضطرهم إلى إظهار الوجه الحقيقي الذي لا يختفي وراء الحقوق والتعددية وتلك المصطلحات اللطيفة التي يرددونها دائما، فهي معركة وجود لا بد من المواجهة بالوجه الحقيقي.

انقلاب يوليو 2013 ومن فعله ومن عاونه أسوأ بكثير مما نظن ولا يجب محاكمتهم ولعنهم  ومحاصرتهم  وإلقاءهم في أسوأ مكان في كتب التاريخ؛ ولكن يجب التعامل معهم كمجرمين من كراتشي إلى الدار البيضاء ومن سيراييفو إلى جوهانسبرج. ومقاومة انقلاب مصر واجب حتمي على الجميع

كما أن فشل السعودية في القيام بدور المركز نظرا لعوامل عدة أثر بشكل سلبي على المشروع الذي يعد منذ مائتي عام أو يزيد؛ لذا كانت حتمية المواجهة المباشرة، ولذلك لم تشفع ملايين شهداء العراق ولا مئات الآلاف من الشهداء في سوريا بكل أنواع الأسلحة؛ ولا الانقلاب على الديمقراطية في مصر والديمقراطية بالمناسبة هى النموذج التبشيري للحضارة الغربية. كما أن تركيا تتعرض لأقصى درجات الضغط الاقتصادي والسياسي بل والعسكري كما حدث في انقلاب تموز العام الماضى، وما يحدث في الخليج الآن هو أحد مشاهد حرب منع صناعة المراكز الحقيقية، فالسعودية المركز الزائف التي تقطر وراءها مصر المركز الحقيقي المخطوف دخلت معركة ليست مع قطر ولكن مع تركيا أقوى المراكز المحتملة الآن حتى مع الاختلافات حولها.

وبالتالي لم يكن من المتصور أن يتشكل في مصر مركز حقيقي بعد ثورة يناير وكان الانقلاب ليس فقط من أجل السيطرة على مصر ولكن لإضعاف احتمالات نجاح الثورة السورية ومنع التقارب المصري التركي. إن وجود تلك المراكز الثلاث حتى مع السيطرة الحالية من الحضارة الغربية كان قادرا على إحداث تغيير عميق في خريطة القوى في العالم وكان قادرا على تحسين وضع العراق واكتمال درع الحضارة الإسلامية بوجود النقاط الأربع.

لذلك فإن انقلاب يوليو 2013 ومن فعله ومن عاونه أسوأ بكثير مما نظن ولا يجب فقط محاكمتهم ولعنهم في مصر ومحاصرتهم تماما وإلقاءهم في أسوأ مكان في كتب التاريخ؛ ولكن يجب التعامل معهم كمجرمين من كراتشي إلى الدار البيضاء ومن سيراييفو إلى جوهانسبرج. ومقاومة انقلاب مصر واجب حتمي على الجميع، فقد أشعلوا حريقا في مصر ووضعوا أكبر معادين لوجودنا على رأس أحد أكبر المراكز الحقيقية، ويجب على الجميع مقاومتهم بكل الطرق المتاحة حتى لا يحرق الجحيم الخارج من العسكر خونة مصر عملاء المنطقة؛ وكل ما يمكن فعله لإعادة إحياء حضارتنا الصاعدة.



حول هذه القصة

بعد أربع سنوات من مظاهرات 30 يونيو/حزيران التي مهدت للإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، يبدو المشهد الحقوقي العام في البلاد مثقلا بالانتهاكات التي طالت مختلف أشكال الحريات الفردية والجماعية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة