التيارات الإسلامية بين الخدمات وضرورة التغيير

حقيقةً لم أتناول الحديث في هذا الموضوع لحداثته فهو قديم بقدم الحركات الإسلامية العاملة في اتجاه إعادة روح الإسلام لجسد الأمة الإسلامية ولست أتناول هذا الموضوع لأن أحداً لم يتناوله في نقاشاته واستقراءاته وإنما ما دفعني للحديث هنا إنما هو المستوى  العالي من  الأهمية التي يندرج تحتها هذا الأمر كما وأنه برغم ذلك لا يزال مُغمياً عليه والحديث فيه ذو ضبابية.

إن انخراط الحركات الإسلامية في المجتمعات المختلفة كتيار سياسي يعمل ضمن الأيدولوجية الديمقراطية لا شك بأنه أمر يعبر عن انحراف كبير في منهج التيارات الإسلامية للانبعاث بهذا الدين من جديد ليكون هو الحاكم والمشرِّع حيث أن غياب هذا الدين عن الحكم بمظاهره العديدة يمثل بشكل قطعي تلك الفترة التي كان يعيش فيها العرب قبل قدوم الإسلام وإن شئت فسمِّها الجاهلية كما أشار إليها الشهيد سيد قطب في القرأن والسنة  والتي تعني في أبسط تقديم لها بأنها غياب أحكام الإسلام ومظاهره عن أنظمة الحكم في منهج الدولة وهذا ما يبينه قول الله عزَّ وجل في أكثر من موضع في القرآن الكريم ومنه قوله تعالى: "أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" سورة المائدة. وقوله في سورة الأحزاب مخاطباً النساء "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى"..

وأيضاً هناك من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما تحدث في هذا الأمر ومنها قوله لأبي ذرْ عندما خالف نظام المساواة في الإسلام "إنك امرؤ فيك جاهلية" وهو من صحابة رسول الله ومن أوائل الذين أسلموا وبرغم ذلك فإن ما فعله من تعيير رجل بأمه السوداء كان فعلاً جاهلياً. وهذا يبين لنا أنه وبرغم انتشار الإسلام وممارسة الشعائر التعبدية لدى المسلمين فهذا لا يمنع أن الناس يعيشون في جاهلية طالما أنهم لا يحتكمون للنظام الإسلامي في الحكم.

جب التركيز على العمل الدعوي الحركي من أجل الحصول على نتائج ملموسة في الطريق الذي مضى على بدايته أكثر مما يقارب المئة عام والناس بطبيعتهم الفطرية الإسلامية السليمة سيُؤْثرون العمل لأجل هذه الدعوة على أن يُعمل لأجلهم.

في الواقع كانت هذه مقدمة لما أود طرحه في موضوع الحركات الإسلامية التي انهمك بعضها في الأعمال الخدماتية ورعاية مصالح الناس وإنشاء الجمعيات الخيرية والأعمال التطوعية في حين أن رعاية شؤون الناس هو أمر متعلق بالدولة بشكل أساسي، ومهما كان نظام الدولة فهي مسؤولة عن تلبية احتياجات الأفراد الذين ترعاهم، وما يقع على الحركات الإسلامية بشكل أساس هو العمل الدؤوب من أجل تحويل نظام الحكم في الدول إلى حكم إسلامي ومن ثم توحيد هذا الحكم في جميع الدول الإسلامية وصولاً إلى نظام الدولة الإسلامية الواحدة.

إن انهماك الحركات الإسلامية في العمل الخدماتي يجعلها تشغل حيزاً كبيراً من وقتها وطاقاتها وفي المقابل هذا يكون على حساب العمل الدعوي الحركي مما يؤخر الوصول للأهداف الرئيسية لأي تيار إسلامي عامل. إن منهج هذا الدين لا يقوم على استمالة قلوب الناس من خلال مساعدتهم وتقديم الخدمات المختلفة لهم حتى يكونوا صفاً مع هذا المنهج وأنصاراً له، وإنما هو منهج متكامل شامل يقوم على إقصاء جميع مظاهر الحكم الأخرى حتى يعتلي منصة الحكم وتحت ظل أحكامه سيجد الناس ما يجعلهم يعيشون في اطمئنان ووفرة وكرامة بعدل هذا الدين بعد أن ذاقوا الويلات في ظل أنظمة الحكم المختلفة سواءً كانت علمانية أو غيرها.

فقد جاء النبي ليقلب نظام الحكم في مكة رأساً على عقب ولم يأتي مُصلحاً لذلك النظام ومكملاً له لا اقتصاديا ولا اجتماعياً ولا أخلاقياً ولا دينياً وإنما هو منهج يتكون من مجموعة متكاملة من الأنظمة تمثل الطريقة المُثلى التي وضعها رب الناس للناس حتى يعيشوا في كنفها، ولذلك لم يستجب الرسول -عليه الصلاة والسلام- لعروضات الزعماء في مكة والتي تضمن له المال والشرف والملك وحتى أنهم ضمنوا له أن يمارس شعائر دينه بحرية، ولكن برغم كل ذلك رفض رسول الله كل تلك العروضات لأنه أمرٌ فوق الأمر كله مبدأه لا إله إلا الله ونظام لا يعترف بالكفؤ لأن واضعه ليس له كفؤ.

وختاماً فإنه ينبغي على التيارات الإسلامية المنخرطة ضمن الأيدولوجيات الغربية والعاملة ضمن الأنظمة القائمة كفصيل ضمن الفصائل المتعددة فيها أن تراجع نفسها وأن تصوب بوصلتها وألا تنهمك في العمل الخدماتي الذي ما هو إلا نتاج تلك الحالة التي يسعى فيها كل فصيل سياسي لاستمالة أكبر عدد من الشعوب لصفه، ويجب التركيز على العمل الدعوي الحركي من أجل الحصول على نتائج ملموسة في الطريق الذي مضى على بدايته أكثر مما يقارب المئة عام والناس بطبيعتهم الفطرية الإسلامية السليمة سيُؤْثرون العمل لأجل هذه الدعوة على أن يُعمل لأجلهم لأن عاقبة هذا الأمر خير للعالم كله ونموذج الحكم الإسلامي في زمن الخلفاء الراشدين أكبر دليل على ذلك.



حول هذه القصة

اختتمت مساء اليوم بالدوحة أعمال ندوة مركز الجزيرة للدراسات في موضوع “التحولات في الحركات الإسلامية” بحوار مفتوح أكد على أهمية قيام الحركات الإسلامية السياسية بمراجعات ونقد ذاتي لتستفيد من الأخطاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة