وجهة الأفكار.. إلى أين؟

blogs - مكتبة
من الذي يجعل الإنسان يطبق المعرفة ويستجيب للحقائق، إنها الإرادة فإن لم تكن إرادة الاستجابة حاضرة لتقبل الحقيقة فلا وصول أبدا لمشارف الغايات المأمولة، وقد قال المولى تعالى وهو أعلم بلسان حال أهل الشرك: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، فالمعرفة العقلية تجعل الإنســـان يعرف ولكن بدون وزاع عاطفي لا يمكن للمعرفة صنع شيء، العاطفة الجياشة من غير سند عقلي هي عين تتدفق منها الخرافة، ومن هنا يمكننا أن نفرق بين أمرين: العقل المستنيـــر والتفكير العميق.
فصاحب التفكير العميق قد يكون آية كبرى في العلوم والفيزياء أو الطب والاقتصــاد، لكن رغم ضخامة هذا، تجدُ أن نظره للحياة نظرة البلداء الأغبياء، لا الثلة الأذكياء الأصفيـاء، تجد تحليلاته للواقع المعاش أو السياسي لا يمكن أن ينطق بها إنسان عامي متابع للأحداث، فكيف لرجل يلهث وراء حقيقة الزمن وتتبع نظرية النسبية لأنشتاين ومعرفة نشوء الثقوب السوداء ودراسة المـــــادة، يتوقف من أجل إجازة سنوية للذهاب إلى الهند من أجل تقديم القرابين للبقر والمعابد وغير ذلك؛ هي معضلة؟ لكن جوابها يكون بما نشأ عليه، فهل هذا العقل الخرافي أخذه عن كبر أو عن صغر؟ بدون أدنى شك قد نُقِش في عقله وصُنِعَ الصَّنم.

القرآن يخاطب كل واحد بخطاب عقلي، ثم يلف هذا الخطاب بروحانيات والتذكير بصعوبة المسير ودار المصير، ويضيف إلى ذلك قصة تاريخية تعطي التجربة، فقصة مع خطاب الوجدان والعقل تأخذ شروط التأثـير.

فصعب على رجل مثل هذا حتى وإن وصل إلى المقام الذي هو فيه أن يتخلص من هذه التلوثات لأنَّ ارتكزت وتربعت في عقله الباطني، وتشبعت بها نفسه وارتبطت بنسيجه التكويني، أما صاحب العقل المستنير فهو الذي جعل النور أمامه حتى وإن التف حوله الظلام الحالك، وقد فهمها مولانا جلال الدين الرومي -طيب الله مرقده-: "أبقِ عينيك على النور لتعبر كل هذا الظلام"، وقد سار على فلسفته هذه تشارلز أبيرد القائل: "يمكنك رؤية النجوم عندما يكون الظلام حالكاً" وفعلا هي هكذا.. الأفكار تلوث وقد يجري عليها ما يجري لكن صاحب العقل المستنير هو من يعرف كيف يتصرف، لما سئل إمام الزمان الشافعي  رحمه الله: "كيف نعرف أصحاب الحق"، فقال للســائل: "تتبع سهام العدّو ترشدك إليهم".

القرآن الكريم يخاطب كل واحد بخطاب عقلي، ثم يلف هذا الخطاب بوجدانيات وروحانيات والتذكير بصعوبة المسير ودار المصير، ويضيف على ذلك قصة تاريخية تعطي الإضافة والتجربة، فقصة مع خطاب الوجدان والعقل تأخذ شروط التأثــــــير، وقد روى البخاري في صحيحه عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه رضي الله عنه، قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ) قال: كاد قلبي أن يطير… ومنه يدرك أن هذا الصحابي حصل له الانزعاج لحسن تلقيه للآية الكريمة.

ومما يذكر في تاريخنا أن الإمام الباقلاني رحمه الله، عندما قدم إلى بلاد الروم لمناظرتهم، فجعل له ملك الرُّوم بابا صغيرا لا يمكن لأحد أن يدخله إلا راكعا، فلما رآه القاضي، تفكّر وأدار رأسه، وحنى رأسه راكعًا، ودخل من الباب يمشي مستقبلًا الملك بدبره، حتى صار بين يديه. ثم رفع رأسه، ونصب ظهره. ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ، فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في قلبه. ثم قال: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قلت: هو صحيح عندنا، وانشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأى الناس ذلك. وإنما رآه الحضور، ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال. فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟ قلت: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره.

للكلمة معنى عظيم.. الحياة الكريمة من صنع الأفكار العظيمة.. الحياة التعيسة من صنع أمرين: مجتمعات لا تفكر ورجل داهية همه مصالحه ومصالح أجندته لا غير.

فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟ لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ قلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود، والمجوس والبراهمة، وأهل الإلحاد، وخاصة يونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم. فتحيّر الملك وقال بكلامه: سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلم الإمام الباقلاني. ثم جاء البطرك قيم الديانة، فسلم القاضي عليه أحفل سلام. وسأله أحفى سؤال، وقال له: كيف الأهل والولد؟ فعظم قوله هذا عليه، وعلى جميعهم وتغيروا له، وصلبوا على وجوههم، وأنكروا قول أبي بكر عليه، فقال: يا هؤلاء تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد، وتربون به عن ذلك، ولا تستعظمونه لربكم، عزّ وجهه، فتضيفون ذلك إليه؟ سوءة لهذا الرأي ما أبين غلطه. فسقط في أيديهم، ولم يردوا جوابًا. وتداخلتهم له هيبة عظيمة، وانكسروا، ثم قال الملك للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان. قال: تقضي حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج العراقي عن بلدك من يومك إن قدرت. وإلا لم آمن الفتنة منه على النصرانية. ففعل الملك ذلك وأحسن جواب عضد الدولة، وهداياه، وعجل تسريحه، ومعه عدة من أسارى المسلمين والمصاحف. ووكل بالقاضي من جنده من يحفظه، حتى وصل إلى مأمنه.

أختم بمقولة الشاعر الإنجليزي المسرحي شكسبير: "لا شيء جميل ولا شيء قبيح، إن أفكارنا هي من يصنع ذلك"، قد نختلف معه في بعض جزئياتها.. لكن للكلمة معنى عظيم.. الحياة الكريمة من صنع الأفكار العظيمة.. الحياة التعيسة من صنع أمرين: مجتمعات لا تفكر ورجل داهية همه مصالحه ومصالح أجندته لا غير.