مذكرات تائب سياسي (1)

blogs - إسماعيل الإسكندراني
قبل نحو عامين، وأثناء زيارته الأخيرة لألمانيا، جلست طويلًا مع الباحث المصري إسماعيل الإسكندراني، المعتقل حاليًا لدى النظام المصري. أذكر يومها أن الجلسة احتوت طالبين مصريين غيرنا وأننا جميعًا كنا في أجواءٍ وديةٍ رغم سخونة الموضوعات المثارة والتي كان أبرزها الانتهاكات الحقوقية لأهل سيناء، وقد كانت الشغل الشاغل للإسكندراني كما هو معلوم.

حين عرفتُ إسماعيل قبل أعوام، أدركت منذ اللحظة الأولى أننا لا ننتمي لمدرسة فكرية واحدة، وأن اتفاقنا لا يشمل أبدًا التفاصيل الاعتقادية أو الفقهية أو الفكرية. بعدها كان لي معه نقاشات كثيرة لم تخل يومًا من تشنجات وتعليقاتٍ غاضبة. كل هذا سبق لقاءنا في ندوته الأخيرة في مدينة (مونستر) القريبة مني، وأعقبها للأسف تغييبه في سجون النظام المصري حتى لحظة كتابة هذه السطور.

ثم إنني انشغلت منذ ذلك اليوم بسؤال عجيب سيطر على علاقتي بإسماعيل الإسكندراني: لماذا احتفظت دائمًا بصداقة هذا الرجل رغم أن أيًا منا لا يوافق الآخر في كثير من أفكاره؟ هل هو التوحد ضد القمع والاضطهاد الذي كتب ضده إسماعيل ووافقته فيه؟ أم هو الاقتراب الطبقي الاجتماعي باعتبار كلا منا نشأ في طبقة اجتماعية بظروف متشابهة؟ هل كان هو الحاضر والمآل أم كان الماضي والنشأة؟

بعد ستِ سنواتٍ من المراقبة لأداء الفريق السياسي الذي انتميت إليه في مصر وعملت معه، أجدني نادمًا على أن كنت يومًا هناك وأجدني حزينًا أن لم أمض يومها رأيي من رأسي دون أن أرجع إلى أولئك الذين يقفون اليوم في مجال السياسة ضد كل ما آمنت به.

ثم إنني انتهيت بعد تفكير طويل ومراجعات ونقاش مع أحبة، أن الحاضر والماضي قد لعبا دورهما؛ لكن أمرًا آخر تمامًا هو الذي خلق هذه الصداقة وحافظ عليها، ذلك أني وهو كنا دائمًا أحرارًا في نقاشنا وأن أحدًا منا لم يدافع يومًا عما لم يؤمن به. كان نقاشنا بعيدًا إلى حد كبير عن تحيزاتنا الجمعية، رحبًا في الفضاء الذي لا تسيطر عليه مدارسنا الفكرية. وحين أدرك كل منا أن الآخر خرج فريدًا يبادله النقاش دون أن يحمل شيئًا من رايات جماعته، ساعتها أمكن أن نواصل النقاش ونوطد الصداقة رغم الخلاف العميق. وهذه كانت خطيئتنا، نحن (جيل الثورة المنهزم) حين مارسنا السياسة بعد الثورة المصرية. وهذا هو اعترافي كـ (تائب) من ممارسة (السياسة).

جمع ميدان التظاهر كل الفرقاء، قليل من القيادات وجمعٌ غفير من شتى طبقات الشباب المصري، المؤدلجين وغيرهم، المنتظمين حزبيًا والمستقلين، الثوريين والإصلاحيين. كل هؤلاء كانوا ليصلوا إلى مواقف متشابهة دائمًا بعد كل خطب وحدث، فقط إذا تُرِكوا وشأنهم. لكن القليل، والقليل جدًا هو من كان مستقلًا بحق. كان لكل من هؤلاء جماعته وعشيرته، وربما اتفق أهل الميدان على أمرٍ أو بيان ثم رجع كل منهم إلى جماعته فراجعها وراجعته ثم عاد لرفاقه بوجه غير الذي رحل به. كنت شاهدًا على هذا، لم أره فقط بل مارسته كذلك في تجربتي الحزبية.

ولأن الرفاق لم يعودوا بعدُ أحرارًا، وجعل كل واحدٍ يرى الآخر متحيزًا لفئته ومنحازًا لها، يجادل باسمها ويناقش بلسانها ويتحدث برايتها، كان الطبيعي ألا تستمر العلاقات التي بدأت في ميدان التظاهر. وغابت لحظة الاقتراب الثوري وبدأت لحظة الافتراق الحزبي.

أذكر هذا اليوم لأنني بعد ستِ سنواتٍ من المراقبة لأداء الفريق السياسي الذي انتميت إليه في مصر وعملت معه، أجدني نادمًا على أن كنت يومًا هناك وأجدني حزينًا أن لم أمض يومها رأيي من رأسي دون أن أرجع إلى أولئك الذين يقفون اليوم في مجال السياسة ضد كل ما آمنت به وعملت لأجله وسعيت إليه.

أجدهم اليوم وقد صاروا أسوأ من كل تخوفاتهم التي لطالما صدعوا رؤوسنا بالحديث عنها، وقعوا فيما حذروا منه، وغاصوا فيما هربوا منه وصار لهم في كل موقف خذلان وكأنهم يتتبعون مواطن الزلل، لا يخرجون من حفرةٍ حتى تعاجلهم العثرة التالية. وإني والله لا أفرح لذلك بل غاية الحزن أن تشارك شخصًا إيمانًا واعتقادًا ثم تجده يتعثر في مجال لو سكت عنه لربما سلم من كل هذا الزلل.

أنا اليوم أتبرؤ من هذه السلوكيات المشينة لهذا الحزب، وأرى أن النور ليس بهذا الطريق. وإني ناصحٌ كل من رافقته قديمًا هذا الطريق أن يغادره، ولعل من ناقشتهم وناقشوني وشاركوني الرأي لا يتعللون بأي مصلحة بعد اليوم. وأنا من هذه الوجهة (تائبٌ سياسي) يدعو الله بالغفران ويطلب الصفح والرشاد.