(1)
من قال إن المفاهيم الذهنيّة التي يخلقها وعينا لها وجود فعلي، أو يمكن أن توجد، في الواقع؟ نحن لدينا فكرة عظيمة اسمها الحرية، وبغض النظر عن الجدل الفلسفي حول حرية الإرادة، نريد هنا أن نتساءل عمّا إذا كان للحرية كمفهوم ذهني- إذا افترضنا أننا نملك لها مفهوما محددا وواضحا -وجود واقعي خارج الذهن والوعي؟
عندما نفكِّر في موضوعات مثل "شجرة"، "قمر"، يمكننا على الأقل أن نتجادل حول وجود هذه الموضوعات بمعزل عن إحساسنا بها، فهل هذا الأمر ممكن أيضا بالنسبة لمفهوم مثل الحرية؟
نحن قد نعتقد أن القمر يمكن أن يوجد حتى لو لم نكن نراه أو نحس به، لأننا نفترض منذ البداية أنه قد وجد في وعينا بواسطة الحس، وليس لأننا نرغب في وجوده. مثلما أننا حين نحس بالشمس وضوئها وحرارتها لا نعتقد بأن ذلك يعود لرغبتنا في وجود الشمس والضوء والحرارة، وإنما لأنه بالفعل هناك شمس حتى لو لم نكن نرغب في وجودها.
فماذا عن "شمس الحرية"؟
| الإنسان حين يسعى نحو الحرية هل يسعى من أجل التطابق مع رغبة داخلية موجودة في الإنسان ولا وجود لها خارج الشعور والوعي الإنساني، أم أنه يسعى إلى التطابق مع شيء موجود خارج حدود الوعي الإنساني؟ |
هل نحمل فكرة للحرية في وعينا لأن هناك شيء واقعي مثل القمر أو الشمس يمدنا بهذه الفكرة، مثلما تمدنا جميع الأشياء المحسوسة بالانطباعات الحسية المختلفة. أم أن فكرة الحرية لا وجود لها خارج وعي الإنسان، وإنها كفكرة موجودة فقط لأنها رغبة فينا، والرغبات التي يسعى إليها الإنسان ليس لها بالضرورة وجود خارج الشعور الإنساني. فمجرد إحساسنا بالحاجة إلى الحرية لن يجعلها ممكنة الوجود والتحقق في الخارج، ما لم تكن في ذاتها ممكنة الوجود والتحقُّق بغض النظر عن رغبتنا وشعورنا.
يمكننا أن نجادل بأن الشمس ستكون موجودة حتى لو لم نكن نحس بها، فهل يمكن أن نجادل بأن الحرية أيضا كشيء في ذاته، يمكن أن تكون موجودة حتى لو لم نكن نفكِّر فيها؟
نحن هنا لا نناقش مشروعية الرغبة في الشعور بالحرية، ولا مشروعية السعي نحو ها، خصوصا الحرية السياسية والاجتماعية، والتي لا توجد كشيء متحقق بقدر ما توجد كنقيض وكنفي لما هو ضد الحرية، وحتى لو كانت مستحيلة فإن السعي من أجلها يبقى مشروعا ومجيدا. ولكن النقاش هنا يدور حول الحرية الإنسانية في بُعدها الوجودي، لا كشيء يمكن (أو لا يمكن) للإنسان تحقيقه، وإنما كمفهوم نضع وجوده الواقعي (بالفعل بالإمكان) موضع التساؤل، بغض النظر عن علاقته بالإنسان.
لنطرح السؤال التالي لأجل المزيد من الايضاح: الإنسان حين يسعى نحو الحرية هل يسعى من أجل التطابق مع رغبة داخلية موجودة في الإنسان ولا وجود لها خارج الشعور والوعي الإنساني، أم أنه يسعى إلى التطابق مع شيء موجود خارج حدود الوعي الإنساني، هو الحرية كشيء لا يتوقف وجوده على شعورنا ورغبتنا تماما مثلما أن الشمس لا يتوقف وجودها على احساسنا ورغبتنا؟
(2)
إننا نملك أفكارا ومفاهيم ذهنيّة أخرى مشابهة مثل الحقيقة، العدالة، المعنى، الحب. فهل لهذه الأفكار وجودٌ واقعيٌّ خارج الفكر واللّغة، وخارج عالم الوعي والشعور؟
| حين نعتقد أننا حققنا العدالة، أو حين نسعى نحوها على الاقل، فهل نحن نحقق، أو نسعى نحو، نموذج خاص بوعينا الذاتي، أم أننا نسعى نحو نموذج مفارق لفكرتنا الذاتية عن العدالة، موجود واقعيا بمعزل عن وعينا؟ |
حين نشعر بالحب على سبيل المثال، هل نتماهى مع حالة مثالية موجودة بمعزل عن خبرتنا الخاصة للحب، أم أن ما نشعر به هو كل شيء، ولا وجود واقعي يقابل فكرة الحب بمعزل عن خبرتنا الفردية الذاتية للحب، وبالتالي فليس هناك شيء اسمه "الحب الحقيقي"، إذ ليس هناك نموذج مرجعي للحب حتى يُقاس عليه. ليصبح "الحب" هو فقط ما نشعر أو نعتقد أنه كذلك.
وحين نعتقد أننا حققنا العدالة، أو حين نسعى نحوها على الاقل، فهل نحن نحقق، أو نسعى نحو، نموذج خاص بوعينا الذاتي، أم أننا نسعى نحو نموذج مفارق لفكرتنا الذاتية عن العدالة، موجود واقعيا بمعزل عن وعينا؟
ما هي الحرية، ما هي العدالة، ما هو الحب، ما هي الحقيقة، ما هو المعنى؟
حين نطرح هذه الأسئلة هل نبحث عن إجابة موضوعية يمدنا بها واقع هذه الأفكار الموجود بمعزل عن وعينا وشعورنا ورغباتنا وآمالنا، أم أننا نبحث عن التطابق لا مع الواقع الموضوعي لهذه المفاهيم وإنما مع وعي إنساني خاص بنا أو بآخرين؟
الإيمان الديني يقول إن هناك شمس للحرية وللعدالة والحقيقة والحب والمعنى ولكل القيم الأُخرى التي يسعى نحوها الإنسان، فهناك حرية وعدالة وحقيقة ومعنى لأن الله موجود. كما أن أفلاطون أيضا قد قال بوجود "عالم المُثل" حيث يمكن أن توجد النماذج الأتم لقيم الحقيقة والخير والجمال.
ولكن ما الذي يجعل الإيمان الديني نفسه أكثر أصالة من هذه الأفكار والقيم، بحيث يصبح الايمان بوجود الله أو بوجود عالم المُثل، أساسا للاعتقاد بوجود فعلي لقيم مثل الحرية والعدالة فإذا كانت فكرة الحرية أو فكرة العدالة مدينة بوجودها للوعي الإنساني، للشعور والرغبة، فما الذي يجعل الإيمان الديني كشيء ينتمي الى الوعي مختلفا؟ بعبارة أُخرى لماذا لا يكون الإيمان أيضا في نفس المستوى الوجودي لفكرة الحرية أو العدل، أي رغبة تتولد في الإنسان لأنه يعيش نقيضها، فالحرية كفكرة موجودة كرغبة مضادة للكبت، والعدل هو مطلب مضاد للظلم، وكذلك الإيمان هو نزوع الوعي الإنساني للبحث عن صورته المثالية في الوجود، حتى لا يكون غريبا بلا أصل وبلا أساس، كشيء انبثق في صحراء الواقع المادي بالصدفة وبالخطأ.
إن الاعتقاد بأننا نحمل نفخة من روح الله يمنحنا شعورا بالتجذُّر في الوجود، واعتقادنا بأننا على صورة الله يمنح الوعي الإنساني هويته المفقودة ونموذجه الأعلى المنشود، هكذا يكون الإيمان في نفس المستوى الوجودي لأفكار مثل الحرية والعدالة والحب، أي رغبة في الإنسان.
| يبقى الواقع القائم خارج أذهاننا هو وجود مستقل عن وعينا وشعورنا ورغباتنا، فلماذا على الواقع أن يخضع لشعور ورغبة الإنسان. لماذا تَنوجِد الحُريّة في الواقع الموضوعي خارج الذهن لمجرد كون الذهن يملك فكرة أو مفهوماً اسمه الحُرِيّة؟ |
وقد يكون في وضع الايمان الديني موضع المساءلة على هذا النحو نوعٌ من المصادرة على المطلوب، لأننا بصدد احتمالين لهما نفس القيمة: إما أن وجود تلك الأفكار يقتصر فقط على كونها أفكارا في الوعي، أو أن لها وجود مفارق للوعي الإنساني. وعندما نحكم على الاحتمال الثاني بكونه هو بحد ذاته فكرة في الوعي او مجرد رغبة في أن يكون هناك مصدر واقعي مفارق لهذه الأفكار، فنحن بذلك نصادر على الاحتمال الأول ونحكم بواسطته على الاحتمال الثاني، وهذا خطأ منطقي، ومع ذلك يبقى التشكيك مشروعا.
(3)
وبغض النظر عن أصل كل تلك الأفكار والقيم، يبقى الواقع القائم خارج أذهاننا هو وجود مستقل عن وعينا وشعورنا ورغباتنا، فلماذا على الواقع أن يخضع لشعور ورغبة الإنسان. لماذا تَنوجِد الحُريّة في الواقع الموضوعي خارج الذهن لمجرد كون الذهن يملك فكرة أو مفهوماً اسمه الحُرِيّة؟ أو لماذا تنوجد العدالة في الواقع حتى كمجرد إمكان لمجرد أن الذهن قد خلق مفهوماً اسمه العدالة. بعبارات أخرى هل الحرية -لا كشيء يملك بالضرورة وجودا مفارقا، وإنما كفكرة في ذهن الإنسان -ممكنة؟ ونفس السؤال بالنسبة للعدالة والحب والمعنى، على سبيل المثال.
لماذا لا تكون هذه المفاهيم الذهنيّة كلها هي مجرد أفكار توُجد في الوعي الإنساني مثلها مثل الأعداد التخيُّلية في الرياضيات ولا وجود لها في العالم الحقيقي ولا حتى بالقوة والإمكان، بمعنى أن الحريّة أو العدالة مثلا غير ممكنة الوجود أصلا، تماما مثلما أن الجذر التربيعي لسالب الواحد (-1)√ غير ممكن الوجود في عالم الأعداد الحقيقيّة.
إن الواقع أكثر أصالة وواقعيّةً من الفكر/ الشعور/ الخيال، ومن اللُّغة والكلمات، وهو مستقلٌ عن الفكر وعن الشعور وعن اللّغة، فما الذي يحمل هذا الواقع على الاستجابة لأفكارنا، ما الذي يحمل الواقع على الاستجابة لرغبتنا في الحريّة أو العدالة لأننا نريد هذه الأشياء.. على اختراع أعداداً تخيُّليّة لأننا نُريد الأعداد التخيُّليّة؟ وعلى اختراع عالم سعيد لأننا نحلم بعالم سعيد؟
هل الإرادة -كما نشعر بها على الأقل – قادرة على تحقيق هذه الأفكار وفرضها على الواقع؟ هل الارادة قادرة على تحقيق الحرية؟ ولكن أليست الإرادة نفسها لا تنفصل عن الحريّة؟ أليست الإرادة بحد ذاتها مفهوماً ذهنيّاً يُوجد في الذهن وفي اللُّغة، ولا نملك ما يدل على أن له وجودٌ مفارقٌ لعالم الذهن واللّغة؟
الإنسان أيضا فكرة، ويمكننا أن نتساءل كما تساءلنا هنا من قبل في مقال سابق، ما هو الإنسان؟ فإذا كان الإنسان -بالمعنى المعياري- لهذه الكلمة يتحدد بالأفكار والقيم والإرادة، فإن وجوده سيكون على المحك عندما توضع هذه الأفكار موضع التساؤل. وإذا كان كل شيء يعتمد في النهاية على الانسان، فعلى ماذا يعتمد الإنسان؟
وفي النهاية سيبقى الانسان يسعى نحو "العالم السعيد" حتى لو كان هذا العالم السعيد مستحيلا، باعتبار أن الحلم بحد ذاته مكتسب لا يمكن، أو لا معنى، للتخلي عنه. وهكذا نستمر في البحث عن الحرية والعدالة والحقيقة والحب والمعنى، على الرغم من أننا قد لا نملك ولا حتى تصورا محددا عن هذه الأشياء.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

