إن قناة الجزيرة، وبكل أمانة وإنصاف، هي القناة العربية الوحيدة التي سارت في خط غير منقطع مطابق لآمال الشعوب العربية ومدافع عن حقوقها دون أن تغير ذلك حسب نوع الأزمة أو البلد التي تجري فيه، كما تفعل بقية القنوات "العربية". فتلك القنوات تجدها تدافع تارة بشراسة (صورية ووهمية للأسف) عن قضايا الحرية والديمقراطية والعدالة في بلد معين وتراها في المقابل تتبنى بشكل فج ومفضوح رؤية ورواية أعتى الديكتاتوريات وأشرسها في بلد آخر، مما أدى لخلق صورة متناقضة وممجوجة عن هذه القنوات تبين ازدواجية معاييرها وفشلها في تبني سياسة إعلامية مهنية.
| هل يمكننا القول بأن قناة الجزيرة هي إحدى القنوات التي "تبدو معادية" بهدف كشف أوراق الأعداء الحقيقيين للمخططات المرسومة للمنطقة؟ قد يبدو هذا احتمالا موضوعيا.. لكننا لا يمكن أن نؤمن بهذا الاحتمال ونرقيه إلى مرتبة الاعتماد دون أن تقفز العديد من الأسئلة إلى الأذهان. |
إن هذا التوجه المميز لقناة الجزيرة ما انفك يطرح علينا الكثير من الأسئلة والشكوك. فإذا كانت الجزيرة كقناة إعلامية هي الآلة الموسيقية الناعمة التي تعكر بشدة صفو ألحان الدبابات والطائرات والمدافع التي نسمع معزوفاتها النشاز في منطقتنا ليل نهار، والتي يهدف الملحن من ورائها لتفتيت المنطقة وتقسيمها، فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا: هل الملحن الإسرائيلي والمايسترو الأمريكي غير قادرين بالفعل على إسكات هذه القناة "اللعينة" التي تواجه المخططات القذرة المرسومة وتفضح المستور؟ الإجابة المنطقية على هذا السؤال هي أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن يكونا عاجزين عن إسكات قناة الجزيرة. فالولايات المتحدة الأمريكية تملك من أوراق القوة والنفوذ في المنطقة ما يمكنها من طلب "لبن العصفور". وها هو ترمب قد جاء إلى السعودية، كبرى بلدان الخليج، وطلب "لبن العصفور" بالفعل. لذلك، فلا يمكن لأحد أن يجادل في قوة ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وقدرتها على أغلاق هذه القناة "المشاكسة".
لكن لماذا لا تفعل؟ هل التزاما منها بالحفاظ على حرية التعبير والصحافة مثلا؟ يبدو هذا الاحتمال مضحكا أليس كذلك.. اعذروني على طرحه… لكن لماذا لا تفعل الولايات المتحدة وتغلق قناة الجزيرة إذاً؟ التحليل الموضوعي الذي يراودنا هنا هو أن الجزيرة ومن ورائها قطر، إنما تنفذ أجندات إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وإن كان بشكل غير مباشر. لكن السؤال المنطقي الذي يبقى مطروحا هو: كيف تنفذ أجنداتهم وهي من أوضح المعادين لتلك الأجندات؟
تأتي الإجابة عن هذا السؤال من كتاب "اليهودي العالمي" لمؤلفه هنري فورد، عندما يقول متحدثا عن أسلوب اليهود في السيطرة على الصحافة كأحد أهم ركائز تنفيذ مخططاتهم ومشاريعهم. يمكن تقسيم الصحافة إلى ثلاث فئات:
أولا: صحافة رسمية مهمتها السهر على حماية مصالحهم والحفاظ عليها، وهذه تكون في الحقيقة ذات تأثير محدود.
ثانيا: صحافة شبه رسمية تأخذ على عاتقها مهمة جذب انتباه الفاترين وغير المهتمين.
ثالثا: صحافة تبدو معارضة ويكون من بينها واحد عدواني جدا مهمته هي الإيقاع بالأعداء الحقيقيين وكشف أوراقهم.
ويضيف الكاتب: "أرجو أن تلاحظ بأن من بين من يهاجموننا من كلفناهم بذلك… هؤلاء سيهاجمون بالتحديد النقاط التي نريد أن نغيرها أو نقضي عليها تماما".. استنادا إلى ذلك، هل يمكننا القول بأن قناة الجزيرة هي إحدى القنوات التي "تبدو معادية" بهدف كشف أوراق الأعداء الحقيقيين للمخططات المرسومة للمنطقة؟ قد يبدو هذا احتمالا موضوعيا.. لكننا لا يمكن أن نؤمن بهذا الاحتمال ونرقيه إلى مرتبة الاعتماد دون أن تقفز العديد من الأسئلة إلى الأذهان:
| قطر والجزيرة ليستا أداة خفية لتنفيذ أجندات الإسرائيليين والأمريكان في المنطقة كما بينا من خلال النقاش الموضوعي أعلاه، ومع ذلك يبقى سؤالنا مطروحا وهو: لماذا لم تقم إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية بإسكات صوت قناة الجزيرة. |
– الدعم القطري السياسي والإعلامي والمالي القوي لحركة حماس والتي تعتبر حقيقة عدو لدودا لإسرائيل وسياساتها. وقد ساعد الدعم القطري حركة حماس بوضوح على الصمود والاستمرار.
– الوقوف بوضوح وشراسة ضد نظام عبد الفتاح السيسي في مصر مع أن هذا النظام هو من أكثر الأنظمة طواعية وانبطاحا لإسرائيل، وأن أي اهتزاز له حاليا قد يشكل خطرا مباشرا عليها.
– أما بخصوص اليمن وليبيا فالجزيرة تعمل بجد على فضح ممارسات بعض الدول الإقليمية التي تسعى جاهدة لتفتيت هذه الدول وذلك تنفيذا لأجندات إسرائيلية وأمريكية وإن تداخلت معها بعض السياسات الصبيانية والأحلام الطائشة لبعض حكام المنطقة.
– الوقوف بوضوح ومنذ اللحظة الأولى ضد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا العام الماضي. وفي الحقيقة لقد كان موقف الجزيرة في تلك الليلة كافيا ليدفع عنا بعيدا الأفكار المتعلقة بعمالة أو ارتهان قطر أو الجزيرة لأجندات إسرائيلية أو أمريكية في المنطقة. فتلك المحاولة الانقلابية كانت من أخطر القرارات التي تم اتخاذها على أعلى المستويات، والتي كانت في حال نجاحها كافية لتعمل مفعول قنبلة ذرية في المنطقة. فقد كانت ستمهد الطريق مباشرة لتفعيل التفتيت غير المعلن في سوريا والعراق، بل وفي تركيا نفسها، ووصولا إلى الخليج. لذلك فليس من المقبول اللعب بتلك المحاولة وإعطاء الضوء الأخضر لقناة واسعة الانتشار وذات تأثير واسع كالجزيرة "لتتظاهر" بالوقوف ضدها.
– الحصار الأخير الذي فرضه "الأشقاء" على قطر، والذي يبدو بأنه قد قدم دليلا إضافيا ذو قيمة بأن قطر ليست أداة مطواعة بيد الأمريكان أو الإسرائيليين، وأن المواقف التي تتبناها الجزيرة إنما هي ناتجة عن سياسة مستقلة ومهنية وناجحة على العموم.
الخلاصة: قطر والجزيرة ليستا أداة خفية لتنفيذ أجندات الإسرائيليين والأمريكان في المنطقة كما بينا من خلال النقاش العملي والموضوعي أعلاه، ومع ذلك يبقى سؤالنا مطروحا ويبحث عن إجابة شافية لم نعثر عليها حتى الآن وهو:
لماذا لم تقم إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية بإسكات صوت قناة الجزيرة رغم علمنا بقدرتهما على ذلك منذ زمن؟ أم أن الوقت قد حان الآن بعد أن طفح بها الكيل؟ يبقى هذا السؤال لتكشفه لنا الأيام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

