ماذا لو لم يكن بعد الموت جنة ونار؟

مدونات - رجل
مسائل الإيمان ليست مجرد افتراضات نظرية تحتمل الإثبات أو النفي، فلا يمكن تشبيهها مثلاً بفرضية وجود حياة في الكواكب الأخرى التي لا يستطيع أحد الجزم بها على وجه اليقين قبل أن تثبتها التجربة العلمية القاطعة. الإيمان حالة حضور ومعايشة ووجدان، ومن اطمأن قلبه بالإيمان انقدح له من نور البصيرة ما يقترب به من تلك العوالم المحجوبة ويلامس حقائقها فتعجل له البشرى في الدنيا قبل الآخرة وينسكب في نفسه من اليقين ما يثبت به فؤاده و يحرره من الريبة والاهتزاز، وفي ذلك قول علي رضي الله عنه: "لو كشف الحجاب ما ازددت إيماناً".

إن مصيرية قضية الإيمان تستوجب توفر أسس راسخة من اليقين ينشئ المؤمن بناءه عليها، لكني سأطرح سؤالاً افتراضياً أجاري به حجج الملاحدة: ماذا لو اكتشفنا بعد الموت أن الجنة والنار والبعث وهم كبير، أين ستذهب صلاة المؤمنين وصيامهم وجهادهم؟ أي خسارة سيمنى بها المؤمنون وقد حرموا أنفسهم من ملذات الحياة ومباهجها ثم تبين لهم أن هذا الحرمان كان من أجل لا شيء؟ يقوم هذا الافتراض على أساس أن الدين مجموعة من التكاليف الشاقة تحرم الإنسان من مباهج الحياة وملذاتها، وأن الثواب الذي يعد الإيمان أنصاره به ثواب مؤجل في العالم الآخر، وبذلك يصير المرء مخيراً بين نعيم يحسه ويراه في الدنيا وبين نعيم يسمع عنه دون أن يذوق منه شيئاً!

لقد كلفني الإيمان أن أغادر ملذات الحياة إلى الجهاد، لكن الجهاد هو خيار النفوس الحرة الكريمة، تستفزها إليه سطوة الظالمين وإفسادهم في الأرض، فلا تطيق الصمت والقعود.

ينشئ القرآن أساساً مختلفاً عن هذه التصور النمطي، فالدين لسعادة الدنيا قبل الآخرة: "فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ"، "فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً"، أما الإعراض عن ذكر الله فهو سبيل شقاء الدنيا قبل الآخرة: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا"، "فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا".

لو تبين بعد الموت أنه ليس ثمة جنة أو نار فلن يكون لدي ما أخسره، لقد منحني الإيمان جوائزه المعجلة في الدنيا، فعشت حياتي آمناً راضياً. لقد ظننت في دنياي أن هناك إلهاً يرعاني ويدبر أمري فاطمأن قلبي، لقد دارت علي الحياة كما تدور على كل مؤمن وكافر بخيرها وشرها، بسرائها وضرائها، فلم تزدني السراء إلا شكراً ولم تزدني الضراء إلا صبراً ورجاءً، فكان أمري كله خيراً، واكتسبت بشكري وحسن ظني بالله مزيداً من فرص الخير والنعمة وحفظت نفسي من مهاوي اليأس والجزع.

لقد حررني الإيمان في الدنيا من أمراض القلوب من حسد وغل وكبر، إذ عرفت أن الرزق مقسوم وأن الله مطلع على قلوب عباده، يعطيهم ويمنعهم لحكمة، وأن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة، فلم أشغل نفسي بالتحاسد والتباغض، وعلمت أن كل نفس بما كسبت رهينة وأن إصلاح نفسي أولى من التذمر ومراقبة غيري.

لقد أنشأ الإيمان بيني وبين الحياة علاقة حب ورضا، إذ سخر الله لي ما في الأرض جميعاً، فعلمت أني سيد في هذه الأرض، وأقبلت على الحياة بروح المحب الشغوف مستكشفاً أسرارها ومطوعاً قواها، وعلمت أني واحد من عباد الله فتحررت من أمراض العلو والكبر والإفساد في الأرض وأقمت بين الناس بالأخوة والمساواة والسلام لا بالعلو والكبرياء والعداوات.

لقد منحني الإيمان عزة النفس وكرامتها إذ أخبرني أن السادة والملوك عباد مثلي لا يملكون لي ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً فلم يستعبدني أحد مستغلاً خوفي على حياتي أو رزقي، وعشت حياتي مستقل الإرادة قوي العزيمة أستعصي على محاولات القهر والإلغاء وطمس فرديتي.

منحني الإيمان القوة في مواجهة شدائد الحياة واختلال موازينها، إذ أعلمني أن ثمة إلهاً سميعاً بصيراً وأننا لم نخلق عبثاً ولن نترك سدىً، فعلمت أن المحسن والمسيء لا يستويان، فحررني هذا الإيمان من العبث وفقدان البوصلة الأخلاقية، ومنحني السلوى في لحظات اليأس وأمدني بوقود يبلغني بعد الطريق.

نعم لقد قيد الإيمان انفلات غرائزي وحرم علي الخمر والزنا والمجون، لكن من قال إن انفلات الغرائز طريق السعادة؟ إن مثل طالب السعادة في انفلات غرائزه كمثل طالب الارتواء من شرب الماء المالح فلا يزيده الشرب إلا عطشاً، وإن لحياة الاستقامة ثمارها المعجلة في الدنيا من راحة بال وسكينة وتجرد لمعالي الأمور، وإن لحياة المجون عقابها المعجل من ظلمة قلب وغلبة الوساوس والشكوك وتقاعس عن معالي الأمور، وكم من أصحاب الفطرة السوية ممن أقلعوا عن حياة المجون وأقبلوا إلى حياة الاستقامة، ليس رجاء ثواب الآخرة، بل لما عرفوه من عاجل الهناء الذي تحققه حياة الاستقامة وسوء العاقبة التي تؤدي إليها حياة المجون.

نعم، في الدين صلاة وصوم، لكنها رواء لعطش الروح، وسكب لمعاني الطمأنينة والسكينة في النفوس وتحقيق لقوة إرادة الإنسان على هواه، ولو كان المؤمنون يتثاقلون من الصلاة والصوم لما فرحوا بها ولما تسابقوا إلى النوافل التي لم يفرضها الله عليهم، ولما أقبلوا عليها إقبال المحب العاشق الذي ينتظر أوامر حبيبه ليطيعه برضا وسعادة ويتمنى لو أمره بالمزيد ليثبت له صدق محبته.

إنني أرغب في جزاء الآخرة لأنها خير وأبقى ولأن كل نعيم في الدنيا منقوص، والنفوس السامية لا تركن إلى نعيم زائل منقوص، لكني لا أنظر إلى جزاء الآخرة أنه بديل عن متاع الدنيا ونظير للحرمان من مباهجها.

نعم في الدين نهي عن الظلم والفساد والبغي وأكل أموال اليتامى وعقوق الوالدين، لكن أي عاقل يتمنى لو خلت الحياة من هذه الضوابط، وكيف ستكون الحياة لو لم يكن فيها نظام أخلاقي يدعو الناس إلى القسط والميزان ويلجم طغيان الإنسان وفجوره ؟ إن جائزة الالتزام بهذا النظام الاجتماعي تمنح على هذه الأرض فوراً دون انتظار.

نعم لقد كلفني الإيمان أن أغادر ملذات الحياة إلى الجهاد، لكن الجهاد هو خيار النفوس الحرة الكريمة، تستفزها إليه سطوة الظالمين وإفسادهم في الأرض، فلا تطيق الصمت والقعود، و كم من حر في هذا العالم عاش حياته مقاتلاً في الجبال والكهوف لا يرتجي جنةً من قتاله، إنما يحركه في فعله سمو نفسه ورفضها الضيم والهوان، فلم يرتض أن يتنعم بالطعام والشراب والقعود وأن يدع الظالمين يصولون ويجولون دون مدافعة وتقريع، فأي ندم قد يتسلل إلى صاحب النفس الحرة إذا وقف موقف كرامة وانتصار للإنسانية المظلومة؟ لقد نال بوقفته جزاءً معجلاً فسكنت نفسه القلقة المعذبة ورضي ضميره بعد أن أعاد شيئاً من التوازن إلى اختلال العالم واعوجاجه.

إنني أرغب في جزاء الآخرة لأنها خير وأبقى ولأن كل نعيم في الدنيا منقوص، والنفوس السامية لا تركن إلى نعيم زائل منقوص، لكني لا أنظر إلى جزاء الآخرة أنه بديل عن متاع الدنيا ونظير للحرمان من مباهجها، بل هو متمم لعاجل البشرى والرضا والطمأنينة، و المفاضلة بين الدنيا والدين ليست مفاضلةً بين نعيم قائم ونعيم قد يأتي، بل هي مفاضلة بين نعيم منقوص زائل، ونعيم مضاعف خالد: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"