كل موسم يرتبط بصفقة واحدة مدوية، بوغبا في العام الماضي، وماركو فيراتي هذه السنة بدون منافس، الإيطالي القصير الذي تألق غريبا كما بدأ، مجرد لاعب وسط خطف الأضواء سريعا مع فريق بيسكارا المتواضع في إيطاليا، لتلتقطه العين الخبيرة في باريس، ويجلبه مدراء سان جيرمان، من وطنه إلى فرنسا بأسرع طريقة ممكنة. سرعان ما تألق لاعب الوسط في الدوري الفرنسي، وأصبح خلال سنوات قليلة واحد من أهم وأفضل وأميز 5 لاعبين ارتكاز في العالم، ويصمم برشلونة على جلبه بأي طريقة هذا الصيف.
فيراتي لاعب ارتكاز مثالي، بدأ مسيرته كوسط دفاعي أمام الرباعي الأخير، في إيطاليا يعرف بإسم "الريجستا"، والريجستا هو مخرج الأفلام على الطريقة الإيطالية، وفي التكتيك الحديث اللاعب صاحب المركز رقم 4، وفي السنوات الكروية الماضية، هو ذلك اللاعب الفذ، أندريا بيرلو، وحاليا مواطنه ماركو نجم باريس والأزوري. ويمتاز أيضا بالقدرة على البناء من الخلف، وضبط إيقاع اللعب في الدفاع والهجوم، والتحكم في نسق المجريات هبوطا وصعودا، ليصعد بضع خطوات إلى الأمام ويتحول إلى لاعب دائرة صريح بعد قدوم أوناي إيمري، أي جمع بين مركزي 4 و6 حول المنتصف، لاعب ارتكاز مساند وصانع لعب صريح من مناطق بعيدة عن المرمى.
| اشترى برشلونة النجوم بأسعار فلكية مؤخرا، وترك عاداته وتقاليده المرتبطة بالناشئين شيئا فشيئا، حتى اعتمد كليا على ثلاثي الهجوم في عمل كل شيء داخل المستطيل |
بمجرد رحيل تشافي هيرنانديز بعيدا عن أسوار كامب نو، تعاقد البارسا مع أندريا غوميز، دينيس سواريز، أردا توران، وقبلهم راكيتيتش، مع تصعيد رافينيا وأسماء أخرى، ورغم تواجد هذه الكوكبة من اللاعبين إلا أن مكان القائد السابق لا يزال شاغرا. باختصار شديد لأن كل هؤلاء بلا استثناء يفتقدون إلى مزايا "لا بوزا" التي تعني كرويا النجم الذي يتمتع بنظرة ثاقبة في التمرير وقراءة الملعب ونقل الهجمة إلى مستوى مغاير، لذلك حصل تشافي وأقرانه على شهرة إضافية نتيجة هذه الميزة التي نقلت برشلونة إلى درجة أعلى على مستوى اللعب التموضعي.
اشترى برشلونة النجوم بأسعار فلكية مؤخرا، وترك عاداته وتقاليده المرتبطة بالناشئين شيئا فشيئا، حتى اعتمد كليا على ثلاثي الهجوم في عمل كل شيء داخل المستطيل. بات اللعب فرديا إلى أقصى درجة، لذلك أصر المدرب الجديد إرنستو فالفيردي على ضم ماركو فيراتي بأي ثمن، ليضمن لاعبي ارتكاز قادر على الاحتفاظ بالكرة تحت ضغط، ويكون خير سند لبوسكيتس من دون الكرة، مع مد إنيستا والآخرين بالكرات في الثلث الهجومي الأخير، وبالطبع من أجل قيمة تكتيكية إضافية تتمثل في تنفيذ خطته المفضلة على طول الخط، ألا وهي 4-2-3-1.
يعتمد فالفيردي على هذا الرسم الخططي، ويؤمن بأن أفضل طريقة للسيطرة على المباراة تكمن في حماية المساحات بين دفاعه ووسطه، بوضع ثنائي محوري في وبين الخطوط، لإعطاء الحرية الكاملة لصانع اللعب في العمق، والأجنحة المنطلقة على الخط الجانبي بالتبادل مع المهاجم الصريح، لذلك لا غرابة أبدا في تحديد أهداف برشلونة بالميركاتو، فيراتي وعثمان ديمبلي وهيكتور بيليرين، لاعب وسط مساند وجناح صريح على الخط، وظهير أيمن ينطلق أثناء التحولات، إنها المجموعة التي تضمن للمدرب تنفيذ أكبر قدر ممكن من أفكاره، وبالتالي فإن الإيطالي أقرب للسؤال الإجباري منه إلى الإختياري في ورقة أسئلة برشلونة.
باريس في المقابل نادي غير بائع بالمرة، لقد تطور المشروع الرياضي بالنادي كثيرا بعد قدوم الخليفي، وحصل الفريق على بطولات محلية عديدة مع دور أكثر شجاعة في دوري الأبطال. ويكن الملاك تقديرا مضاعفا لفيراتي بالأخص، لأنه جاء إلى النادي في 2012، وظل فترة طويلة محافظا على مستواه، مع عمله رفقة مدربين مختلفين كأنشيلوتي ولوران بلان وأخيرا إيمري، لذلك يعتبر اللاعب بمثابة الإبن الشرعي لهذا المشروع ورأس الحربة الأول له، رغم أنه ليس هدافا أو مهاجما كما جرت العادة إعلاميا وجماهيريا.
خرجت مصادر صحافية فرنسية تؤكد بأن برشلونة يضيع وقته مع فيراتي، لأن باريس باختصار لن يفرط في اللاعب بأي ثمن، ولا يتعلق الأمر بالشق الفني فقط، فالموضوع أعمق من ذلك بمراحل، لأن سان جيرمان يرى في بقاء فيراتي سندا حقيقيا لاستمرار مشروعه، خصوصا بعد الهزة القوية التي تعرض لها بخروجه المهين أوروبيا أمام برشلونة في مباراة "الريمونتادا" الشهيرة، لذلك فإن التفريط في النجم الأول للنادي يعني بدأ مرحلة السقوط من القمة نحو دائرة الأندية العادية قاريا، مما يجعل الصفقة معقدة لأقصى درجة.
| في حالة فيراتي، تبقى الحلول بعيدة وغير واضحة المعالم، برشلونة يحتاجه بشدة ولن يجد غيره بسهولة، بينما باريس يريده هو الآخر لشيء في عقل وقلب إدارته، وبالنهاية القرار ليس في يد اللاعب بمفرده، فهو في كل الأحوال سيفوز بشيء ويخسر آخر مع أي قرار |
أخشى على برشلونة وباريس معا من مشقة تكاليف هذه الصفقة، فالفريق الكاتلوني يجب أن يجد حلا لمشاكله التكتيكية بأي طريقة ممكنة، ووصيف الدوري الفرنسي يحتاج للحفاظ على نجمه من أجل إحياء مشروعه الرياضي بالكامل مرة أخرى، وفيراتي نفسه في وضع يحسد عليه هو الآخر، لأن هذه الفرصة لن تتكرر من جديد، من الممكن أن ينتقل إلى البارسا أو أي نادي آخر مستقبلا، لكنه لن يكون أبدا بهذا البريق الحالي، فالفرص الثمينة ستأتي لا محالة، لكن المهم أن يكون صاحبها مستعدا عندما تصل إليه. وتبدو المقولة السابقة مناسبة للحياة وكرة القدم على حد سواء، فنجوم كبار دفعوا الثمن غالياً بسبب خطوة متسرعة وأخرى بطيئة.
رونالدو على سبيل المثال لم يفز بدوري الأبطال طوال تاريخه، ربما لو انتقل للريال منذ التسعينات لحصل عليها مرة وإثنين. كذلك هنري الذي ارتبط إسمه ببرشلونة منذ عام 2004، وظلت هذه الأخبار مجرد تكهنات صحفية حتى سافر الغزال إلى كاتلونيا صيف 2007، لكن بعد أن فقد الكثير من سرعته وخفته ولياقته، ليلعب مع البارسا ثلاث سنوات فقط، صحيح أنه فاز خلالها بحلمه الكبير، ذات الأذنين الأوروبية، إلا أنه قدم مردوداً ضعيفاً على الصعيد الشخصي، باستثناء عام السداسية التاريخي مع غوارديولا، ليبقى السؤال مطروحا بشدة، ماذا لو لعب هنري مع البلاوغرانا أيام عز رونالدينيو؟ أظن بأن الحسرة ستكون حاضرة عند الإجابة مع مقولة واحدة، ألا ليت الزمان يعود يوما.
وفي حالة فيراتي، تبقى الحلول بعيدة وغير واضحة المعالم، برشلونة يحتاجه بشدة ولن يجد غيره بسهولة، بينما باريس يريده هو الآخر لشيء في عقل وقلب إدارته، وبالنهاية القرار ليس في يد اللاعب بمفرده، فهو في كل الأحوال سيفوز بشيء ويخسر آخر مع أي قرار، لكن المؤكد أنه إما الآن أو فلا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

