قابلتها في ميدان التحرير! في جُمعةٍ من جُمَع صيف 2011 عامُ الثورة الذي لم يكن الشارع فيه يهدأ. "رأيٌ في الثورات" كان عنوانَ كتابها المترجم عن الإنجليزية. كنتُ كمن وقعت على كنز، فقرأتُ الكتاب دون توقفٍ حتّى انتهيت منه في بضعة أيام. حين حدثت الثورة، كنت في الثلاثين. كنت من الشباب إذًا وإن لم أكن في شبابِ من كانوا في بداية العشرينيات. كنتُ أحملُ خبرةً ما حين حدثت الثورة، وكانت الخبرة تقول لي أنّ القراءة والتفكير مهمّان لفهمِ ثورة، كنت أحاول أن أقع على من تكلّم وكتب في ظاهرة الثورات مباشرة.
تعرّفت على حنّا حينها إذًا، ولم تفارقني منذ ذلك الوقت. منها، عرفت ماذا يعني "الفَهم" وماذا يعني أن تغوص في الظاهرة لتفهمها دون حُكمٍ عليها. ثمّ قضت الثورة عليّ أن أوجّه اهتمامًا نحو السياسة، ولم أكن أحبّ ترك الفلسفة، فكانت "الفلسفة السياسية" نتيجة المزيج.
| تعني لي حنّا كيف يمكن للفيلسوف أن يفهم ويتأمّل ظاهرةً متحركة، وكيف يمكن له أن يسأل أسئلة متّصلةً مباشرةً بالواقع الذي يعيشه، وكيف يمكن أن يجتاز الحدود بين العلوم وينتقل بين الفلسفة والسياسة والتاريخ |
اصطحبت حنّا في رحلتها! عرفت منها كيف ثارت على الفلسفة بعد أن درستها؛ إذ لم تجد فيها إجابات على ما فُرِضَ عليها من تجارب. فرّت حنّا من ألمانيا بعد أن اعتقلتها السلطات النّازية ثمانية أيام، فكانت فرنسا ملجأً، ثمّ فرّت من فرنسا حين دهمتها القوّات الألمانية. طُردت مرتين إذًا، مرّة ليهوديتها، ومرّة لألمانيتها. تزوّجت مرتين كذلك، مرّة في ألمانيا، ومرّة في اللجوء.
عاشت حنّا في ظرفٍ شبيه بظرف منطقتنا. شهدت الحرب، وعلمت عن المجازر، وعاشت تجربة المنفى والغربة واللجوء. ربّما كانت "الثورة" هي ما لم تشهده. ولكن في كتابها "رأيٌ في الثورات" معالجة تاريخية وفلسفية عميقة للثورتين الأمريكية والفرنسية. وفي كتابها "جذور الشمولية،" فصلٌ عن الثورة المَجَريّة.
كتبت حنّا ثمانية مقالات، أسمتها "بين الماضي والمستقبل: تدريبات في الفكر السياسي" منها مقالٌ عن الحرية، ومقالٌ عن السلطة، ومقالٌ عن الحقيقة والسياسة. كتبت كذلك كتابًا "في العنف" وكتابًا يمكن ترجمة عنوانه إلى "الشرط الإنساني" وكتابًا بعنوان "رجال في أوقات الظلام" بالإضافة لكتابها الشهير "آيخمان في القدس" وكتابها الأقل شهرة "حياة العقل."
كنت أرى حنّا وكأنّها تعيش وقتنا! وتهتمّ بهمومنا، وزعمت لنفسي أنّ حنّا ستساعدني على تطويرِ فهمٍ أفضل لمنطقتنا التي تموج بالعنف والصّراعات.
تعني لي حنّا كيف يمكن للفيلسوف أن يفهم ويتأمّل ظاهرةً متحركة، وكيف يمكن له أن يسأل أسئلة متّصلةً مباشرةً بالواقع الذي يعيشه، وكيف يمكن أن يجتاز الحدود بين العلوم وينتقل بين الفلسفة والسياسة والتاريخ ليجيب على سؤالٍ محدّد. كان من نتيجة رحلتها هو الإجابة على سؤال علاقة الفلسفة بالسياسة.
يعجبني في حنّا أنّها لم تسأل سؤالاً غير متّصلٍ بواقعها، ولم تسأل سؤالاً لا يهمّها. لم تتطرّق حنّا للسّؤال النّسوي. إذ لم يوجَد في حياتها ما يتطلّب هذا السّؤال. كان طرد اليهود من أوروبّا هو الحدث الأكبر الذي قضى أن تسير حياتها في هذا المسار ولم يكن سؤال المرأة. كانت حنّا هي المرأة التي وجّهت ناظريها للواقع وللتّاريخ وللمستقبل، لا لذاتها. كانت تقول: "لقد فعلتُ ما أريد في حياتي" لم يكن كونها امرأة عائقًا لها بأي شكل! أظنّها من المحظوظات. كانت تقول أيضًا أنّها تدرس وتكتب لأنّها تريد أن تفهم لا أن تؤثّر. وأن الرغبة الجامحة في التأثير في الواقع وتغييره هي من أخلاق الرّجال.
بدأت رحلتي مع حنّا بسبب الثورة وسؤال الحرية، واستمرّت بسبب سؤال العنف، وستستمرّ لأنّها ستظلّ الفيلسوف الذي اعترف بالواقع المباشر الذي يتطلّب النّظر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

