أسهل طريقة لاغتيال خصومك السياسيين الداخليين معنوياً وتحجيم دور القوى الإقليمية المخالفة لتوجهاتك واستراتيجيتك والساعية للتقدم واحتلال المكانة التي تستحقها وتحقيق مصالحها وتطلعاتها والتي تتعارض مع ما تريده وتصبو إلى تنفيذه هو اتهامهم في شرفهم ووطينتهم وإخلاصهم للوطن والأمة ثم التنكيل بهم وإقصائهم.
عليك بإلقاء الاتهامات التي تمس وتهدم تلك القيم جزافاً وبكثرة وفي كل الاتجاهات، مستخدماً كل ما تمتلك من وسائل إعلامية وسياسية واقتصادية ولا بأس باستخدام الدعاة والمشايخ والنخب بما لهم من تأثير على الجمهور ولا يهم أن تحترق تلك النخب وتفقد مصداقيتها عندما يثبت زيف تلك الاتهامات لخصومك وإنها من صناعتك وفبركتك ولا تمت للواقع بصلة فيمكنك صناعة نخب غيرها مراراً وتكراراً، فما أكثر مشايخ السلطان الذين يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه والنخب القابلة للاستئجار والأقلام الجاهزة للبيع والضمائر التي تباع بالمزاد وبأرخص الأسعار.
المهم هو تحقيق الهدف لتخلو الساحة من كل ما ينغص عليك متعتك وهدفك بالسيطرة على مقاليد الأمور داخلياً والتأثير وتغيير مجريات الأحداث إقليمياً، بما يخدم مصالحك ويمكنك من تقديم نفسك كراعي لمصالح الشعب والقائد الملهم والمخطط صاحب الرؤية الثاقبة الذي لا يشق له غبار وليس له ند أو مثيل، وحليف يمكن للغرب والصهاينة الاعتماد عليه كوكيل محلي لتنفيذ المخططات الرامية لتفتيت المنطقة العربية والإسلامية وتغيير ديموجرافيتها وجغرافيتها وطمس تاريخها وتشويه حاضرها والسيطرة على مستقبلها.
| عليك بنشر ثقافة الخوف بين الشعوب داخلياً، والتهديد للخصوم والدول المخالفة لك خارجياً في محيطك الإقليمة، كل من يعارض سياساتنا هو "إرهابي" عدو للوطن وللأمة، كل صوت يتناقش بالعقل والمنطق ويسعى لنشر الوعي هو مشروع "إرهابي".. |
إنها سياسة الهروب للأمام والقفز فوق كل الأعراف والطرق الدبلوماسية والقانونية والدستورية وأسس وضوابط العلاقات والممارسات السياسية داخلياً وخارجياً وتغيير الأولويات والثوابت الوطنية والانتماءات على المستويين العربي والإسلامي، وتوجيه البوصلة بعيداً عن العدو الحقيقي وخلق أعداء وهميين وافتراضيين ولا مانع بل يحبذ الاستعانة بالعدو الحقيقي الوحيد في عالمنا العربي والإسلامي وهم الصهاينة وداعميهم وأذنابهم في منطقتنا من أنظمة وحكومات وفصائل ونخب وجماعات.
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، نحن في غمار حرب ضروس ضد "الإرهاب والتطرف الإسلامي" وكفى" النغمة والمصطلح المفضل للغرب والصهاينة"، وعلينا مواجهته بكل السبل والوسائل، أنشر تلك الدعاية ردد هذا النداء عدد صيغه ومفرداته من وسيلة إعلامية لأخرى من مؤسسة سيادية لغيرها وعلى كافة المستويات لكنه يجب أن يكون الأساس والمرجع الرئيسي طوال الوقت.
عليك بنشر ثقافة الخوف بين الشعوب داخلياً بدءاً من التخويف الأمني والاقتصادي والاجتماعي وصولاً للوجودي، والتهديد للخصوم والدول المخالفة لك خارجياً في محيطك الإقليمي، لا نملك رفاهية إضاعة الوقت في إثبات هوية الجماعات الإرهابية وأفرادها ومموليها، كل من يعارض سياساتنا هو "إرهابي" عدو للوطن وللأمة، كل صوت يتناقش بالعقل والمنطق ويسعى لنشر الوعي هو مشروع "إرهابي"..
كل قناة تلفزيونية أو مؤسسة صحفية أو شبكة إخبارية مهنية واحترافية في سياسة تحريرها ولها مصداقية وجماهيرية هي منبر للإرهاب وبث الفتن والشقاق وهدفها هدم الدول وإغراقها "إن هي تبنت وجهة نظر مخالفة أو استضافت معارضاً لنا أو فضحت ووثقت جرائم حلفائنا"، كل دولة عربية أو إسلامية تحاول الاستقلال بقرارها وسيادتها وتسعى للتقدم ورسم سياستها الخاصة بها وتخدم مصالحها هي دولة داعمة للإرهاب والجماعات المتطرفة، إذا حاولت الخروج عن سيمفونية محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي حسب وجهة نظرنا ومصالحنا وقوائمنا نحن ولتذهب إلى الجحيم كل الأعراف والقوانين والحقوق والحريات والأصول والقواعد الدبلوماسية بين الدول ولتحرق في طريقها الضوابط والأسس المتعارف عليها في العلاقات الدولية.
لا يهمنا القضاء على الإرهاب والتطرف الحقيقي (أنظمةً وكيانات وجماعات) بقدر أهمية القضاء على الربيع العربي وثورات الشعوب وآمالها وتطلعاتها والجماعات الإسلامية السنية المعتدلة والمقاومة الفلسطينية فهؤلاء هم خصومنا الحقيقيين والعثرات والحواجز التي تقف في طريق تنفيذ مخططاتنا واهدافنا والتي تتقاطع مع أهداف ومخططات الغرب والعدو الصهيوني الداعم لنا والذي نستمد منه تواجدنا واستمراريتنا.
عندما وقف "جوزيف مكارثي" السيناتور الأمريكي الجمهوري ثم الديمقراطي في منتصف القرن الماضي وفي أوج الحرب الباردة ملوحاً بأوراق في يده تحوي أسماء 250 شخصية أمريكية من سياسيين وعسكريين ومثقفين وصرخ بأعلى صوته متهماً إياهم بأنهم شيوعيين موالين للاتحاد السوفيتي وأعداء لأمريكا ولم يكن لديه دليل واحد على صدق اتهامه لكن لا يهم، فالهدف هو التشكيك في ولائهم وتصويرهم بأنهم أعداء الأمة الأمريكية الساعون لتدميرها لصالح العدو السوفيتي الشيوعي وصور "الشيوعية" كدين يحاول القضاء على "المسيحية"..
وامتدت ملاحقاته إلى رجال الكنيسة، وشخصيات مثل مارتن لوثر كينغ وألبرت أينشتاين وآرثر ميلر وتشارلى تشابلن، وشكلت لجان تحقيق لمساءلة كبار ضباط الجيش، واتهم وزير الدفاع في عهد "ترومان" بالخيانة وهو "جورج مارشال" الحائز على جائزة نوبل للسلام كونه مهندس مشروع مارشال الشهير، بل أنه اتهم الرئيس الأميركي "هاري ترومان" بالتحالف مع الشيوعيين، واتهم الحزب الديمقراطي بالخيانة.
| استمرت المكارثية في أمريكا 10 سنوات حتى سقطت بعد تعقل الشعب ووعيه وإدراكه لحماقته وخطورة المكارثية على الشعب الأمريكي والدستور والحقوق وتم هذا بعد حملة توعية وتثقيف موسعة ومكثفة. |
وحتى عندما فاز الرئيس الجمهوري "آيزنهاور" بالرئاسة العام 1952 لم يتورع "مكارثي" عن اتهام الحكومة بإيواء عناصر غير موالية في أجهزتها والنتيجة كانت خلال 10 سنوات هي إلقاء القبض على أكثر من 200 شخص، وطرد أكثر من 10 آلاف من عملهم بتهم وذرائع ملفقة وأثبتت الوثائق أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ساعد مكارثي بوثائق وأوراق مزورة لكي يساعده على الاستمرار، ليتمكنوا من النيل من أي شخص دون الحاجة لأدلة وإثباتات وإجراءات، فقط يكفي اتهامه بكونه "شيوعي".
استمرت المكارثية في أمريكا 10 سنوات حتى سقطت بعد تعقل الشعب ووعيه وإدراكه لحماقته وخطورة المكارثية على الشعب الأمريكي والدستور والحقوق وتم هذا بعد حملة توعية وتثقيف موسعة ومكثفة بقيادة الإعلامي الشهير "إدوارد مورو" والروائي والمسرحي الأمريكي "آرثر ميلر" لتدور الدوائر على "مكارثي"، وقدم إلى محكمة بتهمة الفساد والتزوير، وأدانه الكونجرس، وأدمن المخدرات والخمور ومات بسبب ذلك.
وبعد 60 عاماً من وفاته ظهر "جوزيف مكارثي" مرتدياً الثوب العربي والشماغ والغٌترة، منتعلاً الحذاء العسكري، مستخدماً نفس الأساليب والاستراتيجية مضيفاً عليها اللمسة العربية الخاصة والفريدة للأنظمة القمعية والديكتاتورية بالمنطقة بتزوير كل شيء، مستبدلاً "الشيوعية" بمصطلح (الإرهاب الإسلامي) والاتحاد السوفيتي (بتركيا وقطر).
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

