شعار قسم مدونات

المتشائمون مظلومون عندنا

blogs اكتئاب
المتشائم هو في الغالب شخص غير محبوب في مجتمعاتنا، فجلسة واحدة معه قد تكون متعبة نفسيا، فهو يرى الأمور بسوداوية محبطة، فهو يكثر من نقل الأوجه السلبية لمجتمعاتنا. لكنه للأسف يكون في كثير من الأحيان على حق. فمع انتشار أفكار التنمية البشرية والكثير من خزعبلات النجاح، وانتشار تلك الكتب اللطيفة التي تفرط في تبسيط آليات تطوير وتغيير المجتمعات، أصبح المتشائم أو بالأحرى من نعتبره متشائما نذير شؤم يجب الابتعاد عنه. 
وقد أبدعت أغلب القنوات الرسمية العربية في تربيتنا على التفاؤل وانتظار التغيير إلى الأحسن. وأحيانا توهمنا أن وضعنا على أحسن حال فعلا. بينما يتم إغفال أي رأي يعدد إخفاقاتنا وضيق أفقنا وما يهدد مجتمعاتنا من تفكك وضعف وفقر.

لقد أدت الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم كله في سنة 2008، والتي كبدت العالم الكثير من الضحايا، فقد خسر كثيرون وظائفهم ومنازلهم وانهارت بنوك عالمية واضطر الآلاف من المتقاعدين إلى العمل بعد إفلاس صناديق تقاعدهم، دون إغفال من فقدوا أرواحهم أو أحبائهم.

تشكيل تصور متوازن لأوضاعنا والسبل التي ستساهم في تقدمنا، يحتاج إلى إفساح المجال أمام كل الآراء حتى لو بدت مؤلمة أو سودانية. وهذا يحتاج إلى قدر أكبر من حرية التعبير والموضوعية في التحليل، عوض خطابات النصر والاستعلاء.

كل تلك المآسي كان من الممكن تجنبها لو لم يتم إقبار كلام الكثير من العلماء والمحللين الاقتصاديين الذي نبهوا إلى خطورة جشع البنوك والمضاربين وضرورة القيام بإصلاحات هيكلية كتحديد سقف للديون، فكلامهم كان مروعا. في حين كان الظن السائد هو قدرة الأسواق المالية على تنظيم نفسها وتجنب أي أزمة.

أما في مجتمعاتنا الشرق أوسطية، فيتم قذف المتشائمين من الأوضاع وذمهم، ويصل الأمر حد تخوينهم، واتهامهم بتهديد الاستقرار، لكن أغلب المؤشرات والدراسات الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الديمقراطية المتدني والصراعات المتكررة والشباب الذي يضيع منا غرقا على شواطئ الغرب، يجعل من توقع الأسوأ أمرا واقعيا.

كيف لشعوب ترعرعت في ظل القمع والظلم والإضرابات السياسية والاجتماعية ألا تنشأ فيها فئة من المتشائمين. وقد لاحظت في دراستي الجامعية أن أغلب الأساتذة الجامعيين والطلبة والمثقفين متشائمون ولهم تصورات مأساوية لحالنا، ويركزون على ضعف المستوى التعليمي كمؤشر أساسي لفقدان الأمل، على الأقل في المستوى القريب والمتوسط.

إن توقع الأسوأ خلق قطاعات إنتاجية عديدة وفرص استثمارية واعدة. فكثير من الاختراعات والبنى التحتية، كقطاع التأمينات والخدمات وأنظمة الوقاية من الحرائق كانت ثمرة تفكير نعتبره في مجتمعاتنا تشاؤما، حتى اعتدنا الاستمتاع بالأحلام والخطابات العاطفية التي تعد حسب منطق "ما يعجب المشاهدين".

كما أكدت دراسة للجمعية الأمريكية لعلم النفس نشرت سنة 2011 في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي أن للأشخاص المتشائمين امتيازات متعددة منها التركيز تحت الضغط وأثناء مواجهة الأخطار على عكس المتفائلين.

إن تشكيل تصور متوازن لأوضاعنا والسبل التي ستساهم في تقدمنا، يحتاج إلى إفساح المجال أمام كل الآراء حتى لو بدت مؤلمة أو سودانية. وهذا يحتاج إلى قدر أكبر من حرية التعبير والموضوعية في التحليل، عوض خطابات النصر والاستعلاء التي يعج بها مشهدنا الإعلامي الباعث على التشاؤم.