الإسلام المختطف.. مَن يفرج عنه ومتى؟

blogs صلاة
لم تكن المدلهمات التي عاشها الإسلام والمسلمون منذ مطلع الألفية الثانية، والصعاب التي واجهها، والفطريات التي نبتت حول رسالته، والتشوهات التي أصابت جسده، وكذلك الأوبئة التي اخترقت بسهولة جهازه المناعي، لم تكن، مولودا عبثيا أتى من العدم، فالأصل أن لكل سبب مسبب، ولكل خطأ ذيول سلبية، وإن كان الخطأ المرتكب عن غير قصد، الخطوة الأولى نحو القيام بفعل الصواب. 
ما نحصده اليوم من هجمات خارجية وداخلية مدروسة على دولنا الإسلامية هدفها تفكيك هذه الدول والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها، وتفتيت المفتت منها وتقسيم المقسم، لتنشغل كل دولة بمشاكلها الذاتية وتنسحب من معالجة الهموم المشتركة مع جيرانها، على اعتبار أن الأولوية لإطفاء الحريق الداخلي قبل ممارسة ترف التنظير الخارجي، ما نحصده اليوم هو نتاج طبيعي لما زرعناه في بساتين ادّعينا ملكيتها غير آبهين بحقيقة هذه الملكية، ولا عاملين على تحسين نوعية الزرع وتنويعه، ولا حتى على استخدام الأسمدة الفعالة في وجه الطفيليات التي تمتهن أكل الزرع، استنزفنا بساتيننا وأنهكنا التربة، وأسهمنا بشكل كبير في استضافة بعض الأشجار التي لا تتناسب مع طبيعة تربتنا، لكن على الرغم من ذلك استعنا بخبراء أجانب أجروا الدراسات اللازمة وأعطوا الوصفات الدقيقة التي نفذنا بنودها حرفا بحرف، حتى نضمن تجذر هذا الجسم الغريب في أرضنا، وعندما تيقنا مع مرور الزمن أنه لا يصلح، والحال هذه لبيئة كبيئتنا قررنا اجتثاثه، وبدأنا نعاني، وما أنهينا تواجده في أرضنا إلا بإنهاء الأرض ذاتها وجعلها تربة غير صالحة للاستثمار.

لا شك أن الأمر جد معقد ومتشعب، وأنه يزداد مع الأيام تعقيدا وصعوبة، ففي كل يوم تطلع فيه علينا شمس الفجر، نقرأ عن جماعة قتلت باسم الإسلام، ونشاهد فيديوهات تعذيب وقطع رقاب باسم الإسلام، وفوق كل ذلك نسمع عن تكفير من هنا واتهام بالردة من هناك.

تركنا جانبا كل النصائح التاريخية والشواهد، وقررنا بعنادنا العربي المعروف أنه يمكننا بمال نفطنا أن نمنح أنفسنا أدوارا ليست لنا، تارة نصنع بعبعا داخليا نحاربه بعد أن نجتاز سنوات من التحالف معه، وتارة أخرى نستقوي على أخ لنا جار الزمان عليه، أو طغى هو وتجبر، وبدلا من أن نردعه عن ظلمه بنصرنا له كما أوصانا رسولنا عليه الصلاة والسلام، ترانا نستغل الموقف لنرميه بأهداف قاتلة في ظروف مفصلية.

في المبدأ أننا جميعا مسلمون، أساس عقيدتنا التوحيد، ونختلف ما دون ذلك على أمور كثيرة، دينية وغير دينية. وهذه الخلافات نصيّرها حروبا متى كانت مصلحتنا غير متوفرة، ونصيّرها ربط نزاع متى عجزنا عن المواجهة المتوازنة، واستسلاما كليا فيه ذوبان غير مبرر بحداثة لا ضير فيها إن كنا فاعلين ومنتجين فيها لا متلقين لها، مستهلكين لأدواتها.

في المبدأ أيضا أن الإسلام يظللنا بظله الوافر، لكن ولفرط تفاهمنا مع بعضنا البعض وتآخينا واندماجنا، ونحن أبناء المجتمع الواحد، أنشأ كل منا إسلامه الخاص: ملتزم متزمت، ملتزم أصولي عنيد، ملتزم معتدل منفتح، مسلم صوري، مسلم جاهل، مسلم سوق، وهي تكاد صفة مشتركة بين أغلبنا، والأنكى من كل ذلك أننا ندعي جميعا أن إسلامنا هو الإسلام الحق وأن ما دون ذلك لا يمت للإسلام بصلة! فهل بات الدين أديانا وشعبا ومذاهب؟

علمونا في القدم أن اختلاف أمتنا رحمة، ونسب البعض ذلك إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام فيما نفى البعض الآخر صحة الحديث وقال إنه منسوب لأحد التابعين، لكن في المحصلة، ندرك أن الاختلاف يولد التنوع ويغني الأفكار ويوسع دائرة العلم والثقافة، لكن عن أي اختلاف نتحدث؟ إنه الدين، والدين ليس وجهة نظر، وإنما قرآن وحديث وفقه واجتهاد، وأوامر ونواهي، فكيف يخطف البعض منا أدبيات الإسلام ورسالته العالمية ويدعي حصرية الحق في ذلك؟

لا شك أن الأمر جد معقد ومتشعب، وأنه يزداد مع الأيام تعقيدا وصعوبة، ففي كل يوم تطلع فيه علينا شمس الفجر، نقرأ عن جماعة قتلت باسم الإسلام، ونشاهد فيديوهات تعذيب وقطع رقاب باسم الإسلام، وفوق كل ذلك نسمع عن تكفير من هنا واتهام بالردة من هناك، وكل هذا يحدث مع تقديم كل فريق من الطرفين الأدلة الساطعة والواضحة كما يسميها والتي تدين الآخر.

يُوشِكُ أن تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قُلْنَا: مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لا، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، قِيلَ: وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.

نعم ديننا مخطوف، والخاطف معلوم بالاسم والهوية، وكل مسلم ومسلمة منا مشارك في عملية الاختطاف طالما أنه قدم مصلحة جماعته الدينية على المصلحة الإسلامية العامة، واتبع أقوال وإرشادات وفتاوى مرشده وخليفته وشيخه وترك القرآن جانبا، فضّل كثر وأضلوا، وكأني بهم لم يصلهم حديث النبي فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي"، فصار لكل منا إسلام وكتاب وسنة مختلفين عن الإسلام الحقيقي الذي أتى به محمد عليه السلام، ورغم ذلك يتولد لدى البعض إصرار غير مفهوم على تقديم إسلامه الخاص لغير المسلمين على أنه الإسلام المقصود بالرسالة المحمدية، وأنه أتباعه الوحيدين من ينالون مرضاة الله يوم القيامة وتكون الجنة مأواهم.

إسلامنا مخطوف من أتباعه، إلا من رحم ربي، وفوق ذلك تتكالب علينا الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها، وينطبق علينا ما قاله الحبيب المصطفى في الحديث الصحيح : "يُوشِكُ أن تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قُلْنَا: مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لا، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، قِيلَ: وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ".. أولسنا اليوم أمة كغثاء السيل؟ هل لنا مهابة الا تجاه بعضنا البعض؟

ننتظر مجددا يأتي على رأس كل مائة عام، يكون مسلما مسلما، لا مسلما متأسلما، يفرج عن ديننا ويعيده طاهرا نقيا كما أنزله الله على نبيه، لكن متى يكون ذلك؟ أوليس النصر صبر ساعة؟ بلى والله!