مبادئ التّربية الإسلاميّة

blogs - التربية

إنّ التربية الإسلامية تربية شاملة في مبادئها ومتكاملة في مناهجها، ارتكزت على مسار أخلاقي رسمته البشرية وثقّفته الرّسالات السّماويّة السّابقة وجاءت الرّسالة المحمّديّة الخاتمة لتتمِّمه؛ وهذ ما عكس تنوّع مصادرها ووسائلها وطرائقها ومدارسها، وهيّئها لتتبوّأ عرش التّربية العالميّة عبر الحقب المتلاحقة، كما جعل منها مصدرا مشعًّا بعث العقول من سباتها بنظريّة القراءة؛ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق)العلق:1، فكانت مقوّماتها أساسا للفكر التّربوي العالمي والذي ألهم الغرب بعد ذلك إلى أسس التّربية الحديثة.

ومن مبادئها مبدأ الحريّة الّذي جعل العمليّة التّربويّة مفتوحة النّسق وممتدّة الأفق كي يسمح لصوت التّربية العلميّة والقيميّة أن تصل من خلال كلّ إنسان يستطيع أن يقوم بعبء الدّعوة ويتحمّل تكاليفها، وهذا مطلب من مقاصد عالمية الرّسالة المحمّديّة كان لابد لتحقيقه من تفعيل بيئات التّعليم والتّعلّم وتنويع الطّرائق والسّماح بنوعٍ من الحراك العلمي والثّقافي لا يقيّده مكان ولا يحدّده زمان.

 

فالمساجد والدّور والقصور والطّرقات والأسواق كانت مسرحا للعمليّة التّعليميّة، ليلاً ونهارًا، صباحًا ومساءً، وفوق هذا وذاك يكون المعلّم حرًّا في اختيار المتن أو الكتاب الّذي يدرّسه، وفي أحيان كثيرة يختار الطّالب ما يريده ويستأذن شيخه في أن يدرس عليه علما أو كتابا معيّنا، وفي ظلّ هذا الميدان الرّحب والفسيح ردمت الهوّة بين المدرس والمتمدرس ووجدت بينهما علاقة تميّزت بالمصاحبة والإشراف، فلا هي تسلّطية ولا هي تسيّبيّة، وإنّما هي علاقة قائمة على مراعاة اهتمامات ورغبات المتعلّمين، ونجد لها شبيها فيما عرف في أدبيّات التّربية الحديثة بـ: "العقد الديداكتيكي". 

الحريّة في التّعليم تقتضي مراعاة مبدأ استعداد المتعلم من قبل المعلّم؛ فعليه أن يكون ذا بصيرة نافدة بملكاته وميوله وعارفا بنقاط اهتمامه حتّى يغذّيها ويوجّهها التّوجيه السّليم

ومع تقدّم عمر الرّسالة ظهر التّعليم النّظامي في المدارس و أصبح هو الأساس، وبقي التّعليم الاجتماعيّ كتعليم موازٍ ومعزّزٍ لفعالية العملية التّعليمية، وقد أدت هذه المدارس دورًا بارزًا في صناعة المعرفة وخصخصة العلم وازدهار الحياة العقلية، ومع أنّها كانت تحت إشراف الدّولة، فقد اقتصر إشرافها على الدّعم المادّيّ والمعنويّ، في حين تركت الحريّة للعلماء في تسطير المناهج واختيار الطّرائق.

والحريّة في التّعليم تقتضي مراعاة مبدأ استعداد المتعلم من قبل المعلّم؛ فعليه أن يكون ذا بصيرة نافدة بملكاته وميوله وعارفا بنقاط اهتمامه حتّى يغذّيها ويوجّهها التّوجيه السّليم، وقد نوّه بذلك فلاسفة المسلمين وأطباؤهم؛ كابن سينا الذي اقترح خطوات ناجعة لتقويم مردوديّة التّعلّم وقياس مدى نجاح عمليّة التّوجيه وتلافي ضياع العمر في تعلّمٍ فاشلٍ لا طائل من وراءه؛ ومن هذه الموازين: تقدير الطّبيعة، وسبر القريحة، واختبار الذّكاء.

والنّظر في اهتمامات المتعلّم يترتب عليه مراعاة مبدأ النّضج، فينبغي أخذ المتعلّم بالمرحليّة في التّعلّم شيئًا فشيئًا لأنّ الفهم والاستيعاب متعلّقان بمقدار نموِّه، فكلما زاد عمره نضجت ملكاته النّفسيّة والعقليّة، وفي هذا الصّدد قرّر الطّبيب البلدي أنّ النّضج العقليّ شرط في تحديد مرحليّة التعلّم مؤكّدا على ضرورة إعطاء المتعلّم ما يناسبه في كلّ مرحلة، فـ: "طعام الكبار سمّ الصّغار"، وكل مرحلة تتميز بخصائص تناسب طبيعة المتعلّم.

 

ونجد ابن خلدون يفرّق بين مرحلتي الطفولة والمراهقة؛ فجعل الأولى مناسبة للحفظ والاستظهار والإعادة والتّكرار لتميّز الطفل فيها بالهدوء والطّاعة والاستقرار، وجعل الثّانية أنسب للاستقلال في التعّلم والعمل لميل المراهق إلى الحريّة وكراهته للقيود التي تفرض عليه، ومن هنا وجب مراعاة سنّ الطّفل عند تغذيته بالمواد المعرفيّة بأن لا يعطى جرعات تفسد طبعه وملكاته وفهمه للأمور، ممّا يضمن له نموًّا سليمًا على مختلف المستويات العقلية والوجدانية والبدنية. 

هذا التّعليم المرحلي يهيِّئ المتعلّم لتلقِّي المعارف أوّلًا بأوّلٍ وعلى دفعاتٍ وفق مبدأ التّدرج في تلقين المعارف، والّذي يقتضي من المعلّم توفُّره على المدارك المائزة بين القدر الّذي يصلح والّذي لا يصلح للمتعلّم، وتلك سياسة تربويّة تحفظه من الاضطرابات النّفسيّة، والنّكسات العقليّة. ولتطبيق تدرّجٍ أمثل يفي بمتطلبات الإدراك والفهم الواعي عند المتمدرسين ينبغي اتّباع سُلَّمِيَّةٍ تراتبية تنطلق من المحسوس إلى المجرد، ومن السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المعقد، ومن الجزء إلى الكل، الأمر الّذي يلزم عنه التّلطّف في الخروج من هيئة إلى هيئة، ومراعاة الظّروف البيئية والزمنية، وتوفّر الوسائل النّاجعة لتحقّقه؛ كما يقتضي من المربي أن يكون كُفْءً في تقدير أنصبة التّدرج المعرفي وقياس مراحل التّطور، حتى يصيب بإسقاطاته المعرفيّة والفكرية مواضعها المناسبة. 

إضافة إلى ذلك لم يغفل العلماء في تربيتهم عن مراعاة مبدأ الفروق الفرديّة؛ فهذا الإمام النّووي يحثّ المعلّم على بذل الوسع في تفهيم الطّلبة وتقريب الفائدة إلى أذهانهم مع حرصه على هدايتهم وتفهيم كلّ واحد منهم بحسب مداركه ومخاطبته على قدر درجته وبحسب همّته، فيلمّح للنجيب ويصرّح للضعيف ويرشد المتوسّط. ولضمان سلامة المتعلّمين وتكيّفهم مع نوعيّة التّعلّم وجب على المربّي أن يكون تعليمه مقدّرا حسب أهدافهم المستشرفة وأحوالهم المعيشيّة، فيراعي الدّرجات المختلفة والمهارات المتفاوتة والطبائع المتباينة، وذلك ليؤتي التّعلّم أُكُله ويحقق استجابات تعلميّة إبداعيّة ومتقنة. 

وهذا أمر يقود المتعلّمين إلى اكتساب ثقة أكبر وتعزيز تعلّمهم وفق مبدأ التّعلّم الذّاتي، كما يخلق فيهم الدّافعيّة الأصليّة للتّعلّم، وهي مطلب ضروري يقتضي استغلال كفايات متعدّدة من أجل تحقيق تعلّم نوعيٍّ، لذلك نصّ الكنديُّ في رسائله على هذا الأمر، وأعلى من قيمته، وقدّم رؤية تربوية تفيد بأنّ: الاهتمام بالإنسان يتطلّب تربيته ووضع التّراث الفكريّ في متناوله ليقف أمام المسؤوليّات المتعلّقة به في جميع مجالات الحياة؛ فتصوره يهدف إلى تكوين الإنسان المسلم الواعي والمبدع، الذي ينهض بأعباء الحياة في شتّى المجالات، فالتّعلّم الّذي لا يرتبط بالحياة والعلم الذي لا يعمل به ترف زائد ينبغي التّخلّص منه، كما أنّ ربط التعلّم بذاتية المتعلّم يحرّك فيه دافعية التّكوين المستمر دومًا. 

لا شك أنّ التّكوين المستدام يجهد صاحبه فيحتاج معه إلى شيءٍ من التّرويح لدفع الملل وبعث الخاطر من جديد، لذلك أكّد العلماء المسلمون على مبدأ التّشويق؛ حيث دعوا المعلّمين إلى حسن الصّلة بطلّابهم والرّفع من معنويّاتهم والبحث عن السّبل النّاجعة في تسلية خواطرهم

ومن هذا المنطلق حرص المسلمون على مبدأ التّعلّم المستمر والتّكوين مدى الحياة، وذلك امتثالا لنصوص الوحيين، قال الله تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) طه:114، وقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «منهومان لا يشبع طالبهما طالب علم وطالب دنيا» (رواه الهيثمي في مجمع الزّوائد)، وقد رُئِيَ الإمام أحمد ابن حنبل في آخر عمره يحمل أوراقا ومحبرة، فسُئِل في ذلك، فقال قولته الشهيرة: "مع المحبرة إلى المقبرة". هذا المبدأ النّبيل يجعل المتعلّم يتّسم بخلق التّواضع ويحدّ من آنيّته المتعالية، ويفتح له الطّريق لتطوير معارفه ومواكبة كلّ ما هو متجدّد في الأوساط الثّقافيّة، وكلّما طوّر المتعلّم معارفه وعزّز تكوينه وتدريبه كانت مردوديّة النّتائج أفضل وأجود.

ولا شك أنّ التّكوين المستدام يجهد صاحبه فيحتاج معه إلى شيءٍ من التّرويح لدفع الملل وبعث الخاطر من جديد، لذلك أكّد العلماء المسلمون على مبدأ التّشويق؛ حيث دعوا المعلّمين إلى حسن الصّلة بطلّابهم والرّفع من معنويّاتهم والبحث عن السّبل النّاجعة في تسلية خواطرهم، كالتّرغيب والمدح والثّناء وزرع الثّقة والمكافآت واللّعب المباح، وذلك ملمح تربوي يقصد منه دفع السّآمة عن الطّالب بعد كدّ الطّلب ليجدّد همّته ويقوى تركيزه ويزداد تحصيله ويتقن مخرجات تعلّمه. وهو من الجوانب المشرقة التي توصّلت إليه التّربية الإسلامية، وحازت قصب السبق فيه، فإن التّربية في الأمم السابقة الغربيّة منها والشّرقيّة كانت تعتمد على أساليب العقاب والتّنفير والتّعليم القسري.