ضد قطر.. دفاعا عن "دولة الجزيرة"

blogs الجزيرة

من بين الشروط الثلاثة عشر التي وضعتها السعودية والإمارات العربية لرفع حصارها عن دولة قطر والسماح لها بالعودة إلى "بيت الطاعة الخليجي"، يبدو أن ثمة شرط واحد جدي وأساسي هو الذي يقف وراء أكبر أزمة خليجية، والباقي مجرد در للرماد في العيون. هذا الشرط هو إغلاق قناة "الجزيرة" وشقيقاتها.

 

لنبدأ أولا بالشروط التي تصدرت قائمة "مطالب" الإذعان السعودية الإماراتية. الشرط الأول هو قطع العلاقات مع إيران، وعدم جدية هذا المطلب هو وجود دولة خليجية أخرى هي سلطنة عمان تقيم علاقات متميزة مع إيران منذ سنوات، ومع ذلك لم يطلب منها قط أن تقطع علاقاتها مع إيران ولم تتعرض لحصار مشابه لهذا الذي تتعرض له اليوم قطر، بل إن بعض دول الخليج، خاصة الإمارات، تستعين بالوساطة العمانية مع هذه الدولة "العدوة".

 

والشرط الثاني ضمن قائمة الشروط التعجيزية، هو مطالبة قطر بالإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية على أراضيها ووقف كل تعاون عسكري مع تركيا التي تقيم معها دولتي الحصار الرئيسيتين علاقات تعاون ممتازة على جميع الأصعدة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والمخابراتية، وهو ما يجعل مطلبهما غريبا، وإلا لماذا تسكتان عن وجود قاعدة "العديد" العسكرية الأمريكية في قطر وهي أكبر وأقدم وجودا من القاعدة العسكرية التركية؟

 

لقد أدت هذه الأزمة بكل سلبياتها إلى إسقاط الكثير من أوراق التوت عن العلاقات الخليجية الخليجية التي كانت بيانات "مجلس التعاون الخليجي" تصورها لنا كاستثناء في صحراء الخلافات العربية العربية

أما الشروط الثالث والرابع والخامس، فهي الأكثر سخرية ضمن قائمة شروط "الحديبية"، يتمثل الثالث في مطالبة قطر بوقف دعمها للمنظمات التي تصنف "إرهابية"، والرابع في قطع كل تمويل عن هذه التنظيمات، والخامس في تسليم المطلوبين على لائحة نفس التنظيمات لدولتي الحصار.. وهذا الطلب لو صدر عن دولة مثل سويسرا لاستدعى بحثه بجدية، لكن أن يصدر عن دولتين ظلتا تدعمان نفس التنظيمات التي تصفها اليوم بـ "الإرهابية" وتتغاضى عن إرسال الأموال لدعمها، وتفتح الأبواب أمام شبابها ودعاتها وشيوخها المطلوبين اليوم من طرفها لـلالتحاق بـ "الجهاد" في صفوفها، وتضع وسائل إعلامها وفضائياتها رهن إشارتها للنقل المباشر لحروب "جهادها"، فهذا سبب آخر لإعادة النظر في جدية و "سلامة عقل" من صاغ هذه الشروط، اللهم إلا إذا كان فعل ذلك عن قصد وسبق إصرار تام بهدف إدامة الأزمة وليس من أجل حلها.

 

أما الشرط السادس وهو المهم في نظري فيتعلق بـ "إغلاق قنوات الجزيرة والقنوات التابعة لها". وهو أكثر الشروط وضوحا واختصارا ومباشرة، ولذلك حرص واضع هذه الشروط أن يتوسط العقد، قصد التمويه وفي نفس الوقت من أجل التمييز.

 

لماذا يعتبر هذا الشرط أساسي وجوهري ضمن قائمة الشروط التعجيزية الأخرى؟ أولا، فهو ليس جديدا بما أنه سبق لنفس القناة المثيرة للجدل أن تسببت في مشاكل كثيرة لدولة قطر مع عدة دول خليجية وعربية وحتى غربية، ألم تكشف وثائق "وكيليكس" عام 2011 أن القناة كانت ضمن الأهداف الحربية لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن؟!

 

وثانيا، لأن هذا الشرط هو الأكثر واقعية بين كل الشروط، لأن قناة "الجزيرة" عندما تريد أن تشتغل بمهنية فهي مؤدية أكثر من كل أنواع الأسلحة الأخرى الفتاكة والعابرة للقارات، فقد أتبث برنامج "سوداء اليمامة" الذي بثته هذه القناة عام 2012، حول رشاوي صفقات السلاح السعودي، بأنه أخطر بكثير من البرنامج النووي الإيراني الذي تتذرع به السعودية وحلفائها لبث "فوبيا " إيران في المنطقة.

 

لقد أدت هذه الأزمة بكل سلبياتها إلى إسقاط الكثير من أوراق التوت عن العلاقات الخليجية الخليجية التي كانت بيانات "مجلس التعاون الخليجي" تصورها لنا كاستثناء في صحراء الخلافات العربية العربية. وإذا كان من مزية لهذه الأزمة فهي أنها ستساعد على إعادة الفرز والاصطفاف داخل البيت العربي الذي لم يكن موحدا في أي يوم من الأيام. 

 

إن أهم رد على شروط دولتي الحصار هو أن تعود "دولة الجزيرة"، قوية كما كانت منبرا لمن لا منبر لها، سوقا حرة كبيرة للرأي والرأي الآخر، أن تعود قطر إلى حمل علامتها الإعلامية التي صنعت شهرتها وسمعتها ومصداقيتها

وعلى ضوء هذه الأزمة لا يسعني إلا أن أصطف مع دولتي الحصار ضد قطر التي زجت بنفسها في حروب إقليمية أكبر من حجمها الجغرافي والديمغرافي وتفوق قوتها العسكرية، وأقف ضد قطر التي شاركت في جريمة إبادة شعب عريق مثل الشعب اليمني ودمرت بلدا شهد واحدة من أعرق الحضارات في تاريخ البشر، وأنتقد قطر عندما كانت لا تراعي حقوق العمال الذين بنوا بسواعدهم أبراج الدوحة التي تضاهي اليوم أبراج دبي والرياض، ولعل وراء هذا التناطح مع السحاب سبب آخر غير معلن عنه من أسباب التشنج الخليجي ضد قطر.  

 

كما لا يمكن إلا أن أكون ضد قطر عندما كانت تنطلق من قاعدة "العديد" على أراضيها طائرات أمريكية لقصف بغداد، وضد قطر عندما فتحت فضاءات نقاشاتها الميدانية والفضائية لمسؤولين وعسكريين إسرائيليين، وضد قطر عندما كان يمجد إعلامها مجرما اسمه بشار الأسد، ويكاد يؤله فاشستيا اسمه نصر الله..

 

لكن بالمقابل لا يمكن إلا أن نقف مع "دولة الجزيرة" التي استثمرت مبكرا في الإعلام والرياضة والتعليم، مع "دولة الجزيرة" عندما كانت قناة للاختلاف، وللرأي والرأي الآخر، وعندما كانت منبر من لا منبر له، مع "دولة الجزيرة" القناة التي صنعت التغيير كمن ينحت الصخر بالماء، مع "دولة الجزيرة" التي وصفها ذات يوم الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بأنها "علبة ثقاب"، وكان صادقا عندما كانت القناة وراء إشعال ثورات الشعوب العربية عام 2011.

 

قوة قطر اليوم و"جزيرتها" تكمن في العودة إلى الدفاع عن هذه القيم لأنها هي التي ستصون وحدتها وتقوي صمودها الداخلي ضد الحصار الذي يستهدف في عمقه هذه القيم ويحاربها لأنه يخاف من عدواها ومن مفعولها

إن أهم رد على شروط دولتي الحصار هو أن تعود "دولة الجزيرة"، قوية كما كانت منبرا لمن لا منبر لها، سوقا حرة كبيرة للرأي والرأي الآخر، أن تعود قطر إلى حمل علامتها الإعلامية التي صنعت شهرتها وسمعتها ومصداقيتها: "دولة الجزيرة".

 

كان يقال تهكما وفخرا أيضا، حسب الموقع وتبدل المواقف الأحوال، "كل الدول لها قنوات تلفزية، أما "الجزيرة" فهي قناة لها دولة"، لكن يومها كانت قطر مهابة بـ "جزيرتها" عندما كانت حاضنة للاختلاف راعية للتنوع مدافعة عن الحرية صانعة للتغيير.. وقوة قطر اليوم و"جزيرتها" تكمن في العودة إلى الدفاع عن هذه القيم لأنها هي التي ستصون وحدتها وتقوي صمودها الداخلي ضد الحصار الذي يستهدف في عمقه هذه القيم ويحاربها لأنه يخاف من عدواها ومن مفعولها.

 

أن تنتصر دولة قطر على حصارها هي أن تعود إلى القيم التي قامت عليها "دولة الجزيرة" قبل أن تنزاح عن خط تحريرها الذي صنع لها مجدها ولدولة قطر هيبتها التي تزعج اليوم جيرانها وأصدقائها قبل أعدائها. 

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان