شعار قسم مدونات

ثنائية الصَمت والحقيقة.. أوركسترا الخطيئة

blogs الصمت

من المعلوم -إجماعاً- أن الصمت لغة الحُكماء، ولا عجب أن الصمت يحوي بداخله أبلغ الكلمات وأفصحها، وغيرها من تلك الكلمات التي ما تتسنَّى وأن تُسبغ من المديح على الصمت المقترن بالعِظَمِ والحكمةِ البالغة. ومن المعلوم أيضاً أن لبعض الأشياء جانبٌ مُظلم. فلا غَرو إن كان لآية من اللَّه في علياء السماء مثل القمر جانبٌ مُظلم لا نرى وجهه، أنَّىٰ للصمت لا يكون له جانب مُظلم هو الآخر؟

فمع استهلال بزوغ الجانب المُظلم من الصمت يُصادف المرء حينها في حياته إشكاليات يدفعهُ خوفه فيها على التزام صف الحِياد في مُحاولة بائسة لإمساك عصا الخوف من المُنتصف تماماً. ليبقى -وبملء اختياره- شاهدَ عيان على جريمةٍ وطَّد ركائزها بنفسهِ، كان أهمها لزوم الصمت، حين كان لتأثير الكَلمة مفعول يؤخذ به في عين الاعتبار؛ ولكنه في الأخير فضَّل الصمت، وإن تكلَّم فلا يُظهر براعته سوى بأن يشوَّه كلمة الحق، ليتَّخذ بين هذا وذاك سبيلاً.

ومن زاوية أخرى ذي بُعد آخر، في سبيل ماذا قد يصمتُ المرء ويُغلِّق فمه عن قول كلمةُ حقٍ في وجه من حقَّت عليه تلك الكَلمة! ولأجل ماذا ولمتى سيظل لِجام الخوف يحوم من حولنا! ويسلُب منَّا عزيزُ أمانينا، ولمَ صار الصمتُ خياراً أقرب حين يتصادم مع بيان حقيقة، أو إفصاح عن ظُلم، ومتى وكيف صار الصَمت فجأة قرينُ الحكمة، وقمة الاتزان، ورزانة للنفس، كيف وهو قد يكتم معه شهادةُ حق. شهادةٌ من يكتُمها فإنه آثم قلبُه! كيف وقد كان لمن مقدور شهادة حق كهذه أن تخرُج لتنسِفَ ظلمات فوقها ظُلمات كتلكَ التي تتغشي بحرٌ لُجِّي في ظُلمة من ليلٍ بهيم.

ألا يعلم من يكتُم شهادة حق أن كلمة الحق هذه وإن غابت فهي بلا رحيل، وإن رحلت لبُرهةٍ فلا يحسبنَّ رحيلها أبديٍ؛ لإنها فقط تَعُدُّ العُدَّة لقدومها من جديد!

رُبَّ كلمة تدفع بها جهلاً، تُنيرُ بها هُدى نفساً، تزرع في قلب مودةً، كان أهون وأعظم منه درجةً في الخير ممَّن يوصّد بابُ فمهِ، ولا ينفع الناس ممَّا أنعمَ اللَّه عليه من علمٍ، ولا يُصارح عزيزاً لديه بما يحملُه له في قلبه، ولا يقف إلا حائلاً عن بيان حقيقة أمر ما، فقط؛ لإنها لا تتوافق مع هوى الذين يصدون عنها. وليُعلَم أن عزيزَ النفسِ هو من لا يخشى في الحق أحداً إلاَّ اللَّه وحده، حتى وإن اجتمعت طوائف بني آدم كافة، وحدث وأن كان بعضهم لبعض ظهيراً عليه. وليُعلم أن عزيز النفس هو من يملك سُلطةً على نفسه ولا يكتمُ شهادةَ حق وإن كانت سيفاً يقع على عُنقه. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283)

ألا يعلم من يكتُم شهادة حق أن كلمة الحق هذه وإن غابت فهي بلا رحيل، وإن رحلت لبُرهةٍ فلا يحسبنَّ رحيلها أبديٍ؛ لإنها فقط تَعُدُّ العُدَّة لقدومها من جديد! ألا يعلم هؤلاء أن تجسُّد دور الأعمى عن رؤية الحقيقة لن يُفيد طويلاً، أو يعلم هؤلاء أن تجسُّد دور الأبكَم في تقمُّص ذاك الصمت المُخزي هو أيضاً لن يُدوم طويلاً! ألا يعلم هؤلاء أنه لا نجاة ولا خلاص لهم وقت سطوعِ نور تلك الكَلمة في أفق سماء الحقيقة! ألا يعلمُ هؤلاء أن كلمُة الحق وقتها لن تنتظر الادلاء بشهاداتهم لاستبيانها، صِدقاً لن تنتظرهم؛ لإنها هي من ستشهد عليهم! ولا تعجب إن حدث وكانت مقصَلةً فوق رؤوسهم أجمعين!

الحقيقة ذاتها تستتر عن وراء ذاك المُجاهد في سبيل طواغيت الشر، وغياهب السر، بلا غايةٍ مُعلنةٍ، وإنما لنيَّةٍ مُبطَّنةٍ بأن يدوم ذاك العرض المسرحي لأطول فترة من الزمانِ، ودون زوال. تراهُ يبذُل قُصارى جهده، وبكل ما أوتي من قوةٍ، يُجاهد في تدثير شهادة حقٍ في بطن التُراب! تاللِّه إن النَفس لتعجَب من كمِّ ذاك الإصرار المُستميت في وأدِ كلمة حقٍ، كلمةٌ يُخشى بها أن تُزلزل أقداماً ظنَّت أنها على شيء في يومٍ ما، وظنَّت أنْ لن تزول أبداً بعد إذ تبيَّن ثبوتها في لحظة ما! ولكن هيهات، فإن هُم إلا يظنون.

فلا غروَ أن يكون للصمت عاقبة وقت إذ كان للكلمةِ شأن، ولمن كان على فطرة سويِّة لا عجب في كون تلك العاقبة ضده هي شعور متلاحق بالندم تارةً، وبالحسرة تارةً أخرى. فكم يكون مؤسفاً أن تظل الكَلمة حبيسة الصَدر، ولا تجد لخروج من سبيلٍ، ويظل المرء يوماً بعد يومٍ يبادر في التسويف بالكلمة. حتى إذ يأذن لها بالخروج فيكون خروجها من عدمٍ سواء. الآن حصحص الحق، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد ماذا يُفيد ذاك التأخير، فكما أن لكلِّ إنسان أجلٌ، ووقت ينقضي معه أجله، هكذا الكَلمة أيضاً، فإن انقضى وقتها فلا هي تستأخر ساعةً، ولا تستقدم أخرى. ومع انقضاء الفترة المحددة لخروجها ينقضي معها تأثير مفعولها.

لا تجهش بالبكاء رجاءً حين ترى من فقد عزيزاً لديه، وهو يقف أمام شاهدِ قبرهِ يُخبره كلماتٍ حانية كانت ستغيِّر الكثير، إن لم يؤثِر الصمت عليها وقيلت في وقتها المناسب. صمت.

على مر فصول من الزمان مُتلاحقة، تظل الحقيقة مُقترنة بكلمةٍ، ويظل الصمتُ بجانبه المُظلم مقترنٌ بخزي وعارٍ متلازمين، ومعاذ اللَّه من غيم الصَمت الذي لا يتبعه غيثُ الحقيقة! لإن ما بين ثنائية الصمت، والحقيقة… خطيئة!

تمالَك نفسك رجاءً، عندما كانت كلمة واحدة، فقط كلمة واحدة منك قادرةً على أن تصنع فارقاً في حياة أحدهم، ربمَّا إنقاذ من ظلمٍ عاسف، افتراء كاذب، ظن أجوف، شرٌ مُستطير. وفي الأخير ما كان جوابك إلا وأن مارست الصمت، واغلقت عينيك عن رؤية الحقيقة في ذل وخضوع مُخجل. صمت نشاز.

لا تُذرف دمعاً رجاءً حينما تجد من يستعطف الهوى ويُفصح لأحدهم عن مكنونات صدره بكلِ حبٍ ومُلاطفةٍ، ولكن بعد متى وقد فات الأوان، بعد ماذا وقد سنحت له الفرصة في بادئ الوقت، ولكنه آثر الجلوس على رصيف الانتظار، بعد ماذا وهو لم يستجب وآثر الصمت… صمت، ثم صمتٌ نشاز، ثم صمت تُصَمُّ الآذان منه، فلا حيَّاكُم اللَّه على صمتكم هذا!

وماذا يُفيد النُصح في وجه آثم، يكتُم علماً، ويُضلل بشريةً بأسرها، ويسوق طائفةً للهاوية، ويُخفي حقيقةً، بل وتستمر سلسلة الإجرام بطمس ملامحها؛ ليتـَّبع هواه الأعمى، ضارباً بمَثل الذي يمضي في طريق من الظلمات، وأقسم على نفسه ألا يخرج منها حتى يقضي اللَّه أجَلَه. فبماذا يُفيد النُصح وقد قالها "صَالحُ" نبُّي اللَّه من قبل ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف: 79)

وعلى مر فصول من الزمان مُتلاحقة، تظل الحقيقة مُقترنة بكلمةٍ، ويظل الصمتُ بجانبه المُظلم مقترنٌ بخزي وعارٍ متلازمين، ومعاذ اللَّه من غيم الصَمت الذي لا يتبعه غيثُ الحقيقة! لإن ما بين ثنائية الصمت، والحقيقة… خطيئة!