| نحنُ ولا فخر، نحلمُ بالعيشِ في أحضان أوروبا، وبالمقابل نطالبُ اللاّجئين بالعودةِ إلى أوطانهم التي هربوا من ويلاتِ الحرب والفقرِ فيها، ونمتعضُ عندما يخرجُ الغرب في مسيراتٍ تُطالب العرب والمسلمين بالعودة من حيث جاؤوا. |
أمّا في الجاهلية فقد تمثلّت العنصرية في صنوفٍ عدّة تجدُها في المعاملةِ السيّئة للعبيد أو في العشائرية والنزعة القبليّة والتفاخُر بالأنساب، والتي امتدّت إلى يومنا هذا، فنحنُ مِنْ بيننا أيضاً مَن يفتخر بأنّه ابنُ العرْش الفلانيّ وبأنّ لجده مِن الكَرَامات ما ليس لسواه وبأنّه ابنُ المدينةِ لا القرية، أو أنّه من سلالةٍ يعودُ نسبُها إلى النبيّ على الرغم مِن أنَّ الإسلام نبذَها والآيات والأحاديث التي قيلت في هذا الشّأن كثيرة،
مَن منّا لا يعرفُ قصةَ بلال وأبي ذر رضيَ الله عنهما، عندما نعتَه أبو ذرٍّ بابن السّمراء، فمَا كانَ مِن النبيّ عليه الصّلاة والسلام أنْ قالَ لهُ زاجراً: "يا أبا ذر، أعيَّرتَهُ بأمه؟ إنّكَ امرؤٌ فيكَ جاهلية!".
وها نحنُ بعدَ كلّ تلكَ السّنواتِ الضوئية التي مرّت على مثلِ هذه القصص والأحداث، ما زلنا كمَا وجدْنا آباءَنا، لا فرقَ بيننا وبينهُم سوى أنّنا استحدْثنا أشكالاً جديدةً للعنصرية تليقُ بالوقتِ الذي نعيشُ فيه، فيكفي أنْ تكتبَ عبارةً عنصريةً وتنشُرها على مواقعِ التواصل لترى التفاعلَ الكبير معها وتكتشفَ أنّنا نُعاني من شرخٍ كبيرٍ في الإنسانية، نحتاجُ آلافاً من السّنين لترميمِه وترقيعِه، نحنُ عنصريّون بالفِطْرة، نَتباكى عندما يترشّح حزبٌ يمينيّ للانتخابات في أيّ بلدٍ أجنبيّ كفرنسا وأمريكا مثلاً، في حين أننا أشدُّ منهم عنصريةً وعنجهيّة.
نحنُ ولا فخر لدينا مُثقفون يروْن أنَّ المحجبة تُعاني من كبت وأنَّ تحررها يبدأُ من خلعِها لحجابها حتى يحقَّ لها أن تتكلم عن الحرية، نتشاركُ "هاشتاغات" تندّد بعدمِ السَّماح لامرأةٍ مسلمة ترتدي "البوركيني" أثناء السّباحة في شواطئ فرنسا، ونحنُ في بلادنا لدينا لافتات عليها مُلاحظات تُعلّق وتُوضع في عدة منتجعاتٍ ومسابح تمنعُ المحجبة من السباحة بأيّ لباسٍ ساتر.
| لماذا نلومُ الغرب على كلّ هذا إذا كانَ من أبناءِ جلدَتنا مَنْ يتعاملُ مع غيرِه بعنصريّة وفوقيّة، إذا كانَ من بيننا مُسلمون عنصريون للمذهب واللّون والجِنس والعِرق والدين، وكأنّنا للآنْ لم نُشفى مِن داءِ الجاهلية بعد. |
ليسَ بعيداً عن هذا الموضوع، أذكرُ أنّني كنتُ يوماً مع أقربائي في مكانٍ يُعتبر مُلكاً للمسؤولين والأثرياء وعِلْيةِ القوم، ومَن يعيشُون في الخارج، فقامَ أحدُ الشُّبان بمناداتنا مع أصدقائه باسم "إكرام" وهي فتاةٌ جزائرية أحبَّها شابٌ لأنَّه أُعجِب بالتزامها ثمَّ بعد أن تزوجها تفاجأَ بتحوّل الفتاةِ إلى أخرى غير التي أُعجِب فيها، لا أريدُ أن أدخلَ في تفاصيلِ قصتها فهي معروفة عند الجزائريين، ما يهمُّني هو تلكَ النظرات المُستاءة والتعليقات السّاخرة ممّن لديهم نظرةٌ دونية للحجاب، مع أنّنا في بلدٍ مسلم، ومع أنَّ هذا المكان لا يخلو من المحجبات وإنْ كانوا قلّة.
نحنُ ولا فخر، نحلمُ بالعيشِ في أحضان أوروبا، وبالمقابل نطالبُ اللاّجئين بالعودةِ إلى أوطانهم التي هربوا من ويلاتِ الحرب والفقرِ فيها، ونمتعضُ عندما يخرجُ الغرب في مسيراتٍ تُطالب العرب والمسلمين بالعودة من حيث جاؤوا، نحنُ الذين إذا سمعنا باسم الفيليبين أو الهند أو سيرلانكا يهرُب عقلنا مباشرةً إلى فكرةِ أنّهم خُلقوا ليكونوا خَدَما تجوزُ إهانتُهم والقسوةُ عليهم وممارسةُ دورِ السيّد عليهم.
لا أعلمُ لماذا نلومُ الغربَ إذن ونحنُ فينا من يُهينُ محافظةً بأكملِها وينعَتُها وأهلَها بالتخلّف والرجعيّة، لأنهم أبناءُ عشائر وقبائل، لماذا نلومُه على كُرهِ أبنائِهِ لنا أو عندما يصفنا بالإرهابيّين، وعندما يضعُ المسلمينَ ضمنَ خانةِ "المغضوبِ عليهم"، وعندما يخرجُ في مظاهراتٍ ليطالبنا بمغادرةِ بلاده، وعندما يقوم بعضُ مُتعصبّيه بالاعتداء وإيذاء العرب فقط لأنهم مسلمون أو جاؤوا من دولِ العالم الثالث، دونَ أن يرتكبَ هؤلاء أيّ ذنب، لماذا نلومُه على كلّ هذا إذا كانَ من أبناءِ جلدَتنا مَنْ يتعاملُ مع غيرِه بعنصريّة وفوقيّة، إذا كانَ من بيننا مُسلمون عنصريون للمذهب واللّون والجِنس والعِرق والدين، وكأنّنا للآنْ لم نُشفى مِن داءِ الجاهلية بعد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

