كادَ صوتُ المطرِ أن ينسينا أنّا في أيار، وأنّا تركنا بلادنا مُفعَمَةً بالشمسِ وحرارتها. كان يهطلُ بغزارةٍ كملهوفٍ يطرقُ بابكَ على عجلٍ يُريدُ أن يُخبِرَكَ أمراً. كانَ يهطلُ بغزارةٍ تريدُ أن تُرِيَنا المخيّمَ على حقيقته؛ كيفَ يدخلُ الماءُ الملوّثُ بالطينِ إلى هذه الغرفِ التي سُكِنَت قبلَ أن ينتهي بناؤها؛ كيفَ تزحفُ كلُّ الفضلات التي لم يوجَد لها مكانٌ لتوضّع فيه فأتى المطر ليحملها لتُغلِقَ منافذَ الأبواب المُكَسَّرة؛ كيفَ يمشي الأطفال حفاةً في أزقةٍ يجعلُها المطرُ ركاماً. كانَ يهطلُ المطرُ بغزارته ليقول لنا: هذا مطرُ أيار؛ فكيفَ بِبَردِ الكوانين وثلجِهم؟
"أنا من عكا، عكا حلوة كتير.. اللّي شاف حلاوة عكا ما بيزهق من عيشته وبتضل روحه حلوة".. قالها لي وهو يُطعِم قططهُ التي تشاركه ما تبقى من سنوات عمره. علّهُ خرجَ من عكا صغيراً؛ فكان مشهدُها آخر جمالٍ يراهُ في هذا الكونِ قبلَ أن يؤولَ إلى مخيمٍ لا تدخلُ الشمسُ مساكنه ولا تطيبُ فيه الحياة؛ فيكبرَ ويصل شيخوخته فيه.
من بلادِ البرتقال، من بلادٍ تعبق بالجمالِ خرجوا أياماً معدودات باتت شهوراً فسنينَ فحياة.. شهدوا التهجير.. عاشوا صوت القصفِ ورائحةَ الموت في مجزرةٍ كانت من أبشعِ صورِ الإرهاب والإجرام، ثم بقوا في مكانهم الذي يشهدُ على الموت والقهر وصعوبة الأيام، بقَوا في "صبرا وشاتيلا"؛ المخيم الذي تمشي به مُتَمْتِماً: "هنيئاً لِمن استشهدَ ولَم يُكمِل عمرهُ ها هُنا".
| يا وجعَ أوطاننا المشتركة! أتتسع هذه الأزقة لجرحين ونزفين وبلدين؟ لا شيء يصفُ سوء المكان هناك؛ عشوائية البناء؛ مناظر أسلاك الكهرباء المتعريّة للهواء؛ شدّةَ التضييقِ على المخيم وأهله! |
شهد.. آدم.. أحمد.. رؤى.. نور؛ لم أقاوم لعبهم تحتَ المطر، كيفَ يلعبون تحته بملابس لا تقيهم حرارةَ الشمس فكيف تقيهم غزارة المطر؟ لكنّي تذكرت: لم يوقِفُهم القصف عن الحياة؛ فأنّى أن يوقفهم عن اللعبِ المطر؟ لم أقاوم مشاركتهم اللعب تحت المطر، نسيتُ كلّ الموجودين ولم أشاهِد سوى أعينهم المشتاقة للفرح. دقائق قليلة وإذا بعددهم يتزايد. حاولتُ تذكّر كل ما كنّا نلعبه صغاراً، فإذا بأبسطِ الألعاب تدفعهم على الضحكِ والمرح. كانوا يتنادَونَ بينهم فيتزايدُ العدد أكثر، وبينَ كلِّ لعبةٍ وأخرى أتوقف لأعرفهم أكثر: "من أين أنتم؟"، انتظرتُ لأسمعَ أسماء مدنِ فلسطين؛ فإذا بي أسمعُ معها أسماء مدنِ سوريا أيضاً.
يا وجعَ أوطاننا المشتركة! أتتسع هذه الأزقة لجرحين ونزفين وبلدين؟ لا شيء يصفُ سوء المكان هناك؛ عشوائية البناء؛ مناظر أسلاك الكهرباء المتعريّة للهواء؛ شدّةَ التضييقِ على المخيم وأهله!
رأيتُ مخيّمات كثيرة، وزرتُ بيوتاً منكوبة عِدّة؛ إلّا أنّ الحياة في "صبرا وشاتيلا" جِدُّ خطيرة؛ فأنتَ إن نجوتَ من خطورة الأبنية التي لا أساسات لها، ومن صفعات الكهرباء نتاج هذه الأسلاك، ومن خطر المخدرات والسلاح؛ فكيفَ لكَ أن تنجوَ من يأس البطالةِ وقهرِ القيد بلا حقوق ووثائق، وضياعِ العمرِ بلا حياة!
انتشرت في المخيم إشاعةٌ فبلَ أيام أدّت إلى اشتباكات عنيفة، ثم إلى مقتل ثلاثة أشخاصٍ من بينهم طفلة في الثامنة من عمرها.. أكانَت واحدةً من الذين لعبتُ معهم الشهر الماضي وتواعدنا تحتَ المطر بأن نكبرَ ونتعلم ويساعد أحدنا الآخر ولا نتركُ يوماً أحداً دون أن يلعبَ ويفرحَ معنا؟
| فلتُحفَظ صورتهم في أذهانكم وقلوبكم، ولتبقى قصصهم محلَّ ذاكرتكم لا نسيانكم؛ استحضروها كلما جاءَ مَن يردّدُ عليكم مبرراً لوجود العدو بيننا، وسبباً مشرّعاً للتطبيع معهم، وفكراً مؤيداً للظلمِ وأهله |
أسمِعوا المُطَبِّعين حكاياهم وحكايا كثيرين غيرهم تشتتوا في بلاد ومخيمات كثيرة، أخبروهم أن هذه الجراحات لا تُنسى ولا يُتجاوزُ عنها، أخبروهم ألّا يقرؤوا أرقام الشهداء التي تطالعهم بها شاشات الأخبار ويكتفوا؛ فالموت والفقدُ ليسَ أقصى ما في الحرب من قسوة؛ فلقد كان خلف ذلك الموتِ قهرٌ لربما لم يُروى؛ خلفَ الموت غائبون عن المدارسِ من أعوام طويلة..
خلفَ الموتِ اغتيالٌ للإنسانيةِ بزيجاتٍ مبنية على "طلبِ الستر" و"إقامة المنفعة" وتنتهي الزيجات أو تبقى معلّقة بعدَ انتهاء هذه المنفعة.. خلف الموتِ أرامل ينامون بدمعِ العين قلقاً على مَن يعولون، وأيتامٌ لم يعرفوا من العالَم حناناً، ومفقودون لا يُعرَف أهم في عداد الموتى أم هناك أمل في اللقاء.. خلف الموت حكايا كثيرة ترويها زوايا المخيمات المنكوبة، وبيوتُ اللاجئين وخيامهم.. هذه الحروب تغتال العبادَ قبل البلاد، وتقتلُ الأحياء قبلَ الأموات.
فلتُحفَظ صورتهم في أذهانكم وقلوبكم، ولتبقى قصصهم محلَّ ذاكرتكم لا نسيانكم؛ استحضروها كلما جاءَ مَن يردّدُ عليكم مبرراً لوجود العدو بيننا، وسبباً مشرّعاً للتطبيع معهم، وفكراً مؤيداً للظلمِ وأهله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

