لا أحب الآفلين

blogs تأمل

بزوغٌ ذلك الذي ملك عليه صدره، وكوكبٌ دري ذاك الذي ناجاه الخليل – أنت ربي-، فلما أفل، وآفة البزوغ الأفول، قال لا أحب الآفلين.

 

كم مرة تحيرت في الخيار؟ وانطفأت شعلةً وسط المسير والاختيار، والمعايير تثقل على كاهلك، وتجعل القرار أبعد ما يكون عنك، فتعيش عجزاً لم تألفه، أو أنه عجزٌ استيقظ فيك لحظة الاختبار التي لم تعايشها من قبل، فطفقت تخصف على سوأتك من ورق الحجج، وموروث الفكر، وعجزك الوحيد هو المنبئ عنك، فنِمْتَ ليلتك مكتفياً بما بزغ من الكواكب.

 

لمَ لا تتمثله وهو يقول هذا ربي، هذا أكبر، ولما أيقن أنه الى أفول كغيره، لم يُقر القوم على دينهم وديدنهم، بل تجرد من كل مساحات المجتمع القائم والمحيط القاتم، وأعمل فأسه فيما يعكفون عليه من أوثان الآباء، وواجههم عيناً لعين، أن اسألوهم إن كانوا ينطقون.

 

كم فكرة تلح عليك، وكم من آفاق تناديك، وقيدك في ذلك وهم الصعوبة، وتركة الأجداد، وفهم الجميع إلا فهمك، واستقراء السابقين إلا استقراؤك، لمَ تسلم خطامك لآزر الأصنام؟ والله على بعد كوكبين وشمسٍ منك، أم أنك مفتونٌ بالآفلين وبصنعة الأب الوثنية؟

 

ألا تسمع مناجاته لك، بأنه يرى تقلبك في السماء، ألا يكفيك عهده بأن يوليك قبلة ترضاها، ولا يريد منك إلا الصدق في التقلب، وأن يرى وجهك هائماً تريده، والرضا سيكون أساس التولية

هل تخاف النار التي ستُشعَل لك، وحشْد القوم الذين تجرأت على حجارتهم، لما بهتوا بالدليل، وفأسُ التغيير معلقةً على كبيرهم، ولسانهم يدينهم قبل فأسك وشمسك، "لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ".

 

ألا يشعل فيك الخليل مشكاة التفكر، وطريق البحث، وخيار المواجهة، ألا توقن أن نار خياراتك بعد الوصول، خيرٌ من جنان الأوثان والعاكفين، أم أن البرد والسلام حديثو عهدٍ بيقينك، والخليل لم يملك إلا اليقين بما اختار، فوجه وجهه لمن فطر السماوات، ولمن خلق البزوغ والأفول، أعلن براءته مما يعبدون ويشركون ويظنون ويُمْلُون.

 

ألا تسمع مناجاته لك، بأنه يرى تقلبك في السماء، ألا يكفيك عهده بأن يوليك قبلة ترضاها، ولا يريد منك إلا الصدق في التقلب، وأن يرى وجهك هائماً تريده، والرضا سيكون أساس التولية.

 

كم مرةً أحجمت عن التمرد، والأصنام هي الأصنام، والقبلة هي القبلة، هل تظن أن مسيرتك ستقف بعد الخطوة الأولى، وأن الحياة ستسعد بعد القرار المفصلي؟ وإلا فما شأن الأربعة من الطير على كل جبل؟ وما سر السؤال ألم تؤمن؟ إيهٍ يا خليل الله، أبعدَ النارِ البردِ السلام، ما زلت تطلب الدليل؟ وها قد ناديت فيهن، فأتين سعياً، يحملن حظ القلب من الطمأنينة.

 

ثم سلّمت بعد كل هذه الاستفاضات، وأدركت أن منطق الأولين، لن يعدو كونه تبريراً للعجز عن الإقدام، فنزلت في وادٍ غير ذي زرع، وتركت إسماعيل ليفجر زمزمها، وتللت للجبين ذبحاً وتصديقا للرؤيا، ففدي بالكبش العظيم.

 

ويكأن كل خيار تسلكه، ينبئ عن معجزتك القادمة وإن خالَفَت حسابات المحيطين. ومنذ متى تنتظر المعجزة الحسابات لتحدث، ولو انتظرت، لراوحت عند الشمس عاكفاً، فهي أكبر، وهي الخيار الأوضح، لكنك بحت بملئك، لا أحب الآفلين.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان