شعار قسم مدونات

فرنسا أجبرتني على تعديل الدستور

PARIS, FRANCE - MAY 17: Tchad's President Idriss Deby is escorted by French president Francois Hollande as he leaves the African security summit on May 17, 2014, at the Elysee palace in Paris, France. The African security summit is being held to discuss the Boko Haram threat to regional stability.(Photo by Thierry Chesnot/Getty Images)

هذه المقولة ليست عائدة إلى حقبة الاستعمار الفرنسي لتشاد، وليست حتى بعيد ما يسمى بالاستقلال الذي تفضلت به الإليزيه لأراضيها في ما وراء البحار، ذلك الاستقلال الذي قدم على طبق من الذل وتوطيد عواصر التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لمجموعة الدول التي ارتبطت بفرنسا تاريخيا، بلون من الاستغلال والاضطهاد والقمع وطمس الهويات والحقائق التاريخية والمكتسبات الحضارية لهذه الأقطار التي شهدت قيام أعرق الجامعات والمعاهد والمراكز الحضارية، مثل تومكتو، إمبراطورية كانم، وداي، سنغو، باقرمي الإسلامية..

هذه المقولة لرئيس أفريقي يقبع على حكم بلاده منذ سبع وعشرين سنة عجاف، وعقود طويلة بدعم من فرنسا سياسيا، وعسكريا وبكل السبل، مع تقديم قرابين الولاء والتبرك وأداء مناسك الحج إلى قبلة الأفارقة الذين المحرمين بجلود مدبوغة في مصانع النسيج الفرنسي والقطن الافريقي المسروق من حقول القطن في تشاد ومالي وبنين، وكنغو وافريقيا الوسطى..، وأدمغة مشبع حتى الثمالة بفكر "ديكارت، وكانط، وشليزي.." حيث بورج إيفيل المعلم الذي يوازي قدسيته للأفارقة المتحولين فرنسيا، قدسية مكة لدى شعوب جنوب شرق آسيا للكعبة المشرفة..!

فك الارتباط عن فرنسا ضرورة لنيل الاستقلال من جديد، وهذا المطلب بدأ ينادي به بعض القادة الأفارقة، بغض النظر عن نواياهم والظروف التي يمرون بها، ولكنها تظل حقيقة، وهو تحول إيجابي، وإن بدا شكلي!

وقد قال جاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق "أن فرنسا جغرافيا تقع في أروبا، ولكنها تاريخيا تقع في إفريقيا والمحيط الهندي " هذه هي الحقيقة التي توجه السياسات الفرنسية للتعامل مع القارة السوداء، ذات المصير الأسود أيضا -ولا أدري ما إذا كان السواد الأول وصف محمدة، ولكن اللون الأسود يرتبط بالسوء لدى الشعوب البيضاء ومنهم العرب، الذين يعتقدون أن العبودية مرتبطة باللون الأسود لذا حتى العلماء ورجالات الدعوة الإسلامية يضربون أمثلتهم في قضية الرق، بأولئك البشر الذين وقعوا في الاسترقاق ليس فقط لأنهم سود، بل لأن قدرهم هو الذي ساقهم إلى هذا القدر السيء! مثلا تجد أحدهم يقول "كان معه عبد أسود"!! ولا أدري ما الداعي لهذا الوصف، علما أن تجارة البشر في الجزيرة العربية وفي كل العالم لا تعتمد على اللون والعرق!!

عفوا خرجت عن الموضوع.. إن فرنسا هي القوة الاستعمارية الوحيدة التي مازالت تحتفظ بعشرات القواعد العسكرية في الأقطار التي احتلتها والتي مازالت تسيطر عليها، عن طريق الإمساك بمصيرها وقرارها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، بالإملاءات والمراكز الثقافية والفكرية والمنظمات القائمة على استلاب الوعي وتشكيله بما يتوافق مع سياستها.

إن فك الارتباط عن فرنسا ضرورة لنيل الاستقلال من جديد، وهذا المطلب بدأ ينادي به بعض القادة الأفارقة، بغض النظر عن نواياهم والظروف التي يمرون بها، ولكنها تظل حقيقة، وهو تحول إيجابي، وإن بدا شكلي! خاصة إذا كان المنادين بها أبناء فرنسا الذين لا يعبدونها ولا يشركون بها شيئا!

تصريحات الرئيس ديبي عشية عيد الفطر المبارك، عبر إذاعة فرنسا الدولية، المصدر المصدوق والمقدس لدى الأفارقة الفرنكفونيين، هذا الاعتراف العلني ورمي اللوم على الإليزيه ثقل الفشل في إفريقيا، وتشاد بشكل أخص من ديبي، يشكل تحولا جديدا في الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة الساحل، وجنوب الصحراء الكبرى، حيث الأزمة الاقتصادية، والغليان الاجتماعي، والاضطرابات العمالية، والإرهاب المصنوع في المطابخ الفرنسية، وانفلات الوضع في مالي وليبيا، وإفريقيا الوسطى، وغيرها من الملفات الشائكة التي تداخلت في بعض البعض مشكلة عبئا جديدا على هذه الحكومات الضعيفة الفاشلة القائمة على الدعم الفرنسي والولاءات القبيلية!

عندما يقول ديبي أن القوات التشادية لم تعد قادرة على البقاء خارج البلاد، فإن الجبهة الجنوبية للبلاد أيضا يتحرك فيها الثوار بشكل مزعج لصاحب القصر الوردي!

إذا كان البعض يعتبر أن تصريحات ديبي الداعية لفك الارتباط عن فرنسا، وتحميلها مسؤولية الفشل في القارة، مجرد كلام للاستهلاك المحلي ولفت انظار العالم، فإنني أعتقد أن لا دخان بدون نار، وإلا ما الداعي لاختيار هذا التوقيت بالذات؟ وقد يكون لفت انتباه الرئيس الفرنسي الشاب ماكرون المنشغل بشأنه الداخلي، سيما أن ديبي كان قد حسب حسابات خاطئة ودعم المرشحة اليمينية المتطرفة ماري لوبين، التي استقبلها في أم جرس قبيل الانتخابات الفرنسية..

وعندما يقول ديبي أن القوات التشادية لم تعد قادرة على البقاء خارج البلاد، فإن الجبهة الجنوبية للبلاد أيضا يتحرك فيها الثوار بشكل مزعج لصاحب القصر الوردي! والشيء اللافت أن جلالة السلطان ديبي -سلطان دار بليا وهي سلطنة تقليدية لقبيلته يديرها بجانب الدولة، وكأنه لا يشبع من حب السلطة، رئيس الاتحاد الإفريقي، مملكة تشاد، وعشيرة بني فلان، وملك ملوك بني سليم-..

إذا كانت فرنسا هي التي أجبرتك على تعديل الدستور والاستمرار في الحكم، فلم تقل لنا هل هي التي أجبرتك على تزوير الانتخابات بعد كل خمس سنوات تجويع وتركيع للشعب؟! إن الشعب التشادي ليس بحاجة إلى تبريرات واهية فما يعيشه وعاشه منذ أكثر من ربع قرن كاف بأن يجعله مدركا للحقائق وليس ثمة حاجة لذرف دموع التماسيح على تلك الجنائز التي تقام مآتمها كل يوم بعد كل مجزرة ترتكبها المجموعات القبلية المسلحة التي تستخدم سلاح الجيش في قتلنا.. الحل هو العودة إلى العقل واتخاذ قرارات تاريخية لمواجهة الأزمات التي تعصف بنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.