فرضيات في المشهد الموريتاني

blogs - ولد محمد

لم يكد صدى إقالة الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية يبرد حتى عاد الرجل إلى الواجهة من جديد، سواء من خلال الشخصيات التي التقت به فور إقالته، أو الادعاءات بظهور اسمه في لوائح المنتدى للمرشح المحتمل للرئاسة الموريتانية -والذي تدرس فيه المؤسسة المعارضة الأكبر الالتفاف حول مرشح واحد- وليس من المستبعد إن قبل اسمه في المنتدى، أن الرجل الذي كثيرا ما أشير إليه بالبنان بوصفه رجل الدولة المناسب ورجل الاتفاق والاجماع الوحيد في الحلف القريب الرئيس مرشحا محتملا للرئاسة. وهو ما وضع الكثير من الاستشكال حول توقيت وطبيعة إقالته وحول المكانة التي يمكن للوزير السابق والمعارض "المحتمل" أن يصلها في ظلال الحراك السياسي المضطرب في البلاد.

هل فقدت/ أبعدت الموالاة رجل المرحلة؟
تدخل موريتانيا انتخابات مميزة بما تعنيه الكلمة من معنى فللمرة الأولى تقام انتخابات دون مشاركة الرئيس الحاكم، وللمرة الأولى انتخابات دون مسعود ولد بلخير أو أحمد ولد داداه بسبب سن الترشح المحدد دستوريا كما المأموريات، وبالتالي فإن الرجال حول الرئيس سيتنافسون الترشح إلى آخر لحظة من العام 2018، ومع انحصار الصراع بين رجال القصر الأقوياء فإن موقف رجال حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الداعم الأول للرئيس والذي يتوقع أن يتولى ولد عبد العزيز رئاسته بعد نهاية مأمورية الثانية 2019 (إن استمرت حالة الإنفلونزا الديمقراطية التي تمر بها موريتانيا)، يبدو ملتبس جدا والجميع في انتظار من يقرره الرئيس -الذي وعد بعدم الترشح- مرشحا للحلف الموجود في السلطة حاليا.

لم يكن أي سياسي موريتاني أمام فرصة تحقيق المجد على طريقة ماكرون وفي زمن قياسي أيضا سوى الوزير المقال مولاي ولد محمد الأغطف.

خروج ولد محمد الأغطف ينبئ بالقطيعة التامة مع المعارضة بجميع مستوياتها ومؤسساتها بعد ما كان الوصي المباشر على آخر حوار وطني بين المعارضة والموالاة، وهو ما يعني أن البلاد تستعد لدخول انتخابات رئاسية أحادية الجانب وعلى مبدأ "الانتخابات بمن حضر"، وهو ما سيكون ضربة موجعة للمسار التحول الديمقراطي في البلاد، كما يعني أن لعبة لي الأذرع في جنبات البلاط قد حسمت لصالح الأقوى بين (الرجال حول الرئيس).

المنتدى ورجل القصر السابق
في خضم هذا الجدل حول توقيت وطبيعة أبعاد ولد محمد الأغطف حمل اللقاء بينه والوزير الأول السابق يحيى الوقف الكثير من الإجابات حول مخاض المرحلة القادمة، ولكن الحقيقة تقول إن المنتدى لن يتلقف رجلا جاء بالأمس من صفوف الحلف الداعم للرئيس بل هو قادم من مكتبه بالقصر الرمادي مباشرة على حساب شخصيات لها من التضحية والنضال في المنتدى كبير باع بل وضحت بأصدقاء ومواقف للاستمرار في هذا الحلف السياسي.

فالمنتدى بالرغم من عدم تحفظه على الرجل فإنه يبقى مثارا للإشكال خاصة إذا حضرت فرضية أن ولد محمد الأغطف قد يكون فخا ينصبه الرئيس وتلقفه المنتدى ببراءة، بل قد تكون له مهمة مقدسة على طريقة وادي الذئاب لذلك تم التنازل عنه في وقت باتت طبول التعديلات الدستورية صوتها يسمع في الأفق خاصة القادم منه من (الشرك "من شور لخيام"). وهذه الفرضية بالذات هي ما دفعت المنتدى إلى المسارعة بنفي أي علاقة بينه وولد محمد الأغطف خشية خسارة أعضاء جدد في وقت يظهر فيه سعي المنتدى للالتفاف حول شخصية واحدة -بالرغم من صعوبة المهمة بل حتى استحالتها-.

رجل الفرص الكاملة
لم يكن أي سياسي موريتاني أمام فرصة تحقيق المجد على طريقة ماكرون (الرئيس الفرنسي) وفي زمن قياسي أيضا سوى الوزير المقال مولاي ولد محمد الأغطف الذي يجد نفسه أمام عشرات الفرص الكاملة لدخول القصر الرمادي رئيسا للبلاد بعد ما خرج وزيرا سابقا.

الحقيقة تقول أن الرجل "الأغطف" لم يمتهن يوما الفهلوة السياسية وهو ما يجعله يتحكم في خيوط الطريق إلى القصر أو إلى أي مكان آخر هو يحدده طالما بقي دام مدركا أن رؤساء هذه البلاد من منهم مازال على قيد الحياة.

بعد صعقة التعديلات الدستورية بل حتى قبلها منذ الأزمة مع ولد بوعماتو يبدو الحلف الرئاسي هش إلى حد ما، ليس فيما يتعلق بشكل الحلف فحسب بل في كثرة نقاط الضعف وأبواب دخول الشيطان، فالتعديلات الدستورية فتحت باب الحرب مع مجلس الشيوخ الذي أعلن رئيسه ما يشبه التمرد على الرئيس إضافة إلى إمكانية تقوية هذا الحلف بوضع يد مع رجل المال والعلاقات الدولة الواسعة ولد بوعماتو الذي يعيش في الخارج منذ سنوات وتحول إلى معارض شرس للرئيس ولد عبد العزيز.

إضافة الأزمة الخليجية التي وصل رذاذها إلى موريتانيا والمتمظهر بالرفض الشعبي الكبير لموقف الحكومة الموريتانية ضد دولة قطر، هذا بالإضافة إلى القبول الكبير لولد محمد الأغطف في مختلف الاوساط سواء الشعبي منها والسياسي والشبابي وهو ما يجعله رجل المرحلة بامتياز إضافة إلى عوامل أخرى، عرفت بها بلاد الشناقطة عل أبرزها الفتوى الاجتماعية والخلط بين ما هو سياسي واجتماعي وديني.. من عوامل الصعود السياسي التي تعد أبرز محرك للساحة الموريتانية (وشبيهاتها في العالم" المختلف" الفاشل تنمويا)..

ولد محمد الأغطف في موقف يحسد عليه حقا لما له من رصيد يدفع به إلى سدة الحكم، ولكن الحقيقة تقول أن الرجل لم يمتهن يوما الفهلوة السياسية وهو ما يجعله يتحكم في خيوط الطريق إلى القصر أو إلى أي مكان آخر هو يحدده طالما بقي دام مدركا أن رؤساء هذه البلاد من منهم مازال على قيد الحياة إما في بادية (المدن) أو في قطر (المحاصرة) وفي نواكشوط يعيشون حياة تختلف تماما عما يعيشه الرئيس الموجود حاليا في القصر بالرغم من أن الشعب لم يتغير في حاله شيء منذ مساء 27 من نوفمبر 1960.