يُرفرفُ قلبي هائمًا عند سماع إسمي من حبيب ناداني به، أو كلمة منهُ تعنيني، أو إشارةً أستنتجُ منها أنها لي، يا لهُ من سخاء أعشهُ مع قلب ضعيف شديدُ الميل والانجراف.
الجميع يُزعمون بالحُب، يُرددون دائمًا أنهم يُحبون، ولكنهم صُمٌ عند سماع نداء الحبيب، وكأنّهُ لا يعنيهم ولكنّهُم يقولون جاهدين أنهم يُحبونهُ كُل الحُب. أنا مُسلم أُزعُم صارخًا لو سألتني "هل تُحب الله؟"، بل وكيف تسألني مثل هذا السؤال؟ أنا مُسلم -لا يهم أني مُسلم بالفطرة أو ورثتهُ عن آبائي – وصيةُ أمي لي التي رسخت في مُخيلتي أني "أُحبُ الله" من أعماقي حتى ولو لم أعمل لهذا. ولكن "اللهُ أكبر" هو النداء، أكبر منك ومن عملك ومن كٌل شيء.. ءأنت مُدركٌ لهذا؟
وقفتُ مصدومًا إثرَ مفهوم رائج راح ضحيّتهُ جُموع من الواقفين، منهم من كان واقفًا لا يُبالي فأصابته شظايا ما حدث فانجرف مع الضحايا إلي دروب اللامُبالاة.. اللامُبالاة في عدم الشعور بالصلاة أو في الصلاة. كُل الأشياء تبدوا عادية فيما عادا الأشياء التي نُحبها، نجعلُها زينة لنا، نستعد لها فنتطيب للقاؤها ونحفظ ما نقول لنبدوا أمامها مُنمّقين لبقي الحديث غيرَ مُلعثمين.
والصلاة هي اتصال حياة بالخالق، فما يُصيب هذا الاتصال من تشويش يجعل هذه الصلاة كالحياة بنكهة الموت، في جثة هامدة يدُقُّ قلبُها وتنظُر في فضاء فسيح بلا فهم، بلا وعي، بلا إدراك، بلا حُب، وكأنّ ذلك الكائن الواقف التائه لا يعرف بين يدي من يقف. مسكينٌ من فاتتهُ لذةُ المعرفة، ذلك الواقف بين الحياة والموت، بين الغفلة والبصيرة، فلا يعدوا إلا كخيال مآته محشوًا بقش كثيف، تُحركهُ كلمات فيميلُ إلي أسفل وأعلى ويمنًا ويسارًا وناصيتهُ الفارغة تُلامسُ جبين الأرض لا تُدرك ولا تعي.
| في الصلاة يجب أن تكون حاضرًا حضور تام، يقظ لأدائها على الوجه الصحيح كما ينبغي، بقلبك وعقلك كما أنت حاضرًا بجسدك، تُعايش هذه الحياة فيها، تجعلُها مأواك لإفراغ ما بداخلك، للبوح بكُل ما لديك من متاعب لتخرُج صافيَ الذهن مُسترخيًا |
رُويَ عن علي بن الحسين زين العابدين -رحمه الله- أنهُ كان إذا توضأ اصفر وجههُ وارتجفت أطرافهُ، فقيل له في ذلك فقال: ويحكم أتدرون بين يدي مَن سأقف؟! أتذكُر نفسك وأنت واقفًا بين يدي مُديرك في العمل تتلقى الإهانة وأنت مُبتسم؟ أم تذكُر حين وقفت أمام رُتبة عالية في السُلطة عندما وقفت "انتباه من حديد" ولا تتحرك منك شعرة من رأسك الساكنة وعقلك المُشع بأعلى درجات التركيز هُناك؟.
نتعامل مع الصلاة علي أنها عبئ علينا وروتين يجب أن يؤدى بأي شكل وبأية طريقه.. نُعاملها مُعاملة الوظيفة الحكومية فيأتي آت لينتظر وقت انتهائها ومتي ستوزّع الحوافز والبدلات. طامّتُنا الكُبرى أننا انشغلنا بما ليس بأيدينا وتغافلنا عما بأيدينا، نسينا ما يخُصّنا وشغلنا أنفُسنا بما لا يخُصنا.. انشغلنا بالأرزاق والأولاد والمُستقبل والعالم ونسينا أنّ كُل هذا بيد الله.. خُلقنا لنعبُد بإحسان، لا لنعبُد عبادة الموظف المغلوب على أمره.
قال الإمام ابن القيم في كتاب مدارج السالكين: فأول منازل العبودية (اليقظة) وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبى منها.
في الصلاة يجب أن تكون حاضرًا حضور تام، يقظ لأدائها على الوجه الصحيح كما ينبغي، بقلبك وعقلك كما أنت حاضرًا بجسدك، تُعايش هذه الحياة فيها، تجعلُها مأواك لإفراغ ما بداخلك، للبوح بكُل ما لديك من متاعب لتخرُج صافيَ الذهن مُسترخيًا علي أهبّة الاستعداد للإحسان في ما أنت مُيسرٌ له، لإتقانه ومن ثم العودة مرةً أُخرى لشُحنة جديدة من صلاة جديدة.. في وقتها.
في النهاية ليست الصلاة هي سببُ الفلاح، إنما هو الخشُوع في الصلاة.. قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ – الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ". كي تكونَ خاشعًا في الصلاة، لا بُد أن تخلع وظيفتك ورُتبتك ومكانتكَ بينَ الناس مع حذائك على باب المسجِد، عليكَ أن تعلم أنك في المسجِد عبْد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

