تغير العالم يا رفاق!

مدونات - لاجئو سوريا
نعم تغير العالم يا رفاق، وباقات الورود التي كنا نرشها على وجوه بعضنا حين لهونا استقرت على قبور من خلعوا جلباب الحياة ليكشفوا سوءة الظلام!
تغير العالم، وما بدا لنا حلماً ورديا غدا وجعاً يضرب أطراف حياتنا بلا رحمة ولا رأٌفة.
تغير العالم، وشبح الموت لم يعد أقسى وأخطر ما يدور بفلك أحدنا ليخافه ويهابه، بل عُدّ للبعض راحة مما هم فيه.

تغير العالم، وبتنا شهوداً على رقع لا قيم فيها، وشخوص ارتضوا ذل العبيد بينما كانوا يفتون في فقهه قبل أيام.
تغير العالم، وما يربط البشر في أقاصي الأرض لم يعد نسبهم، وإنما آلامهم التي جمعت منهم بالقدر الذي فرقتهم فيه.
تغير العالم، وبتنا لا نفهم كثيراً مما يدوه في خفاياه، وبدا لنا كما لو أن للعالم وجهان، مرئي لنا بلا تفاصيل، وآخر خفي يعج بحياة أخرى.

في الموجة الأخيرة التي قلبت وجه العالم، تبين لنا عوار كثير ممن عددناه جميلاً، وأشرنا له بالبنان طويلاً، ورأينا تمايزاً كشف عورات منمقي الكلام ومزخرفيه، فما نفعهم ما ظنوا أنهم زرعوه. لكن الجميل في الموضوع، أن اللعب أصبح على المكشوف، فما كنا نشك فيه أتانا برهانه بكل ما فيه من جلاء ووضوح، والعبث خلف الستائر غدا أمام الجمهور، فلم يعد هناك شيء مستور.

تغير العالم، ولكن صوتاً ما زال ينادينا.. صوت امرأة في أدغال إفريقيا ترفع يداً تنتظر عوناً، وصوت طفل فقد أباه للتو في أرض الشام ولم يعرف أي قبلة في بقاع الأرض يتوجه إليها.. وصوت مريض في اليمن فتكت به الكوليرا ولم يجد ملائكة من الرحمة تهدي إليه دوائه..

وكثير من الأعمال غدا أصحابها يقبلون عليها وهم يعلمون بأنها ستكون قرابينهم لأهل الشر ومحوره، وأنها ستكشف عوراتهم أمام جماهيرهم، ولكن جفوناً لهم فوق العيون الذابلة الكسيرة لم تعد ترف!

في كثير من الأفلام تبرز لنا شخصية ذلك القاتل الذي أصبح مع الوقت قاتلاً بالشهوة، فهو يفطر على قتل، وكذلك يتغدى ويتعشى! ويهديه لنفسه قبل النوم مادة من قتل. شخصية تشربت القتل باكراً، وعاشته بلحظات قاسية، فغدت حياته عديمة بدونه!

وهؤلاء انتقلوا فجأة من خلف الكاميرات إلى مسرح الإخراج الحقيقي، وكسروا كل الكاميرات وقتلوا المصورين، وبدؤوا العبث بحياة ملايين من الشعوب التي لم تكن تأمل من الحياة إلا غطاء يستر ما انكشف من عورة فقرها وذلها!

الغريب أن القاتل على هذا المسرح لم يعد بتلك الصورة المعتادة، فهو لا يغطي عينه اليسرى بلفافة سوداء، بل يظهر كلتا عينيه كالذئاب، ولا يلبس سترة سوداء طويلة، بل كثيراً ما يلبس الأبيض من الثياب! ولكن -وللأمانة العلمية- فهو كذلك القاتل الجبان، يضحك ضحكته الهتسيرية البلهاء، حين تقفز إليه أفكاره المتزينة بالوشاح الأسود!

تغير العالم.. ولكن صوتاً في خفي الظلام ما زال ينبعث، وأرثاً من الماضي ما زال يتردد.
تغير العالم، ولكن صوتاً ما زال ينادينا.. صوت امرأة في أدغال إفريقيا ترفع يداً تنتظر عوناً، وصوت طفل فقد أباه للتو في أرض الشام ولم يعرف أي قبلة في بقاع الأرض يتوجه إليها.. وصوت مريض في اليمن فتكت به الكوليرا ولم يجد ملائكة من الرحمة تهدي إليه دوائه..

تغير العالم.. ولكن حنجرة القاشوش لم تندثر مع التراب، وأهازيج الحرية في صنعاء لم تغادر إلى السماء..
تغير العالم.. ولكن أرواحاً عطشى لتغيير حقيقي لم تتغير!

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان