شعار قسم مدونات

المقاطعة.. سلاح الطغاة في يد المستضعفين

مدونات - مقاطعة المحتل

بينما أنا في المجمع التجاري شارد الذهن كعادتي، أسرح في أحد المرايا المنتشرة على امتداد أقسامه، أرى انعكاس الناس عبر المرآة يدفعون عربات تسوقهم، إذ بي ألحظ شيئاً غريباً.. معظم هذه العربات كانت تقطر دماً، تملكتني الدهشة، فرفعت بصري قليلاً عبر المرآة، لأرى هذه العربات مليئة بجثث الأطفال والأجنة المبقورة بطون أمهاتهم، مليئة بحجارة البيوت المهدمة فوق رؤوس أهلها، لأراها مليئة بكل قبيح، خالية من كل معاني الرحمة والإنسانية. للوهلة الأولى ظننت أن هذه المرآة تخدعني وتكذب علي، فالعربات لم تكن تحمل سوى أصنافاً مختلفة من البضائع التي تبدوا مسالمة، لكنْ الحقيقةُ أن المرآة لم تكن تكذب، بل تقول الحق، كانت صادقة إلى حد بعيد، صادقة جداً، على الأقل أكثر صدقاً من ضمائرنا الميتة.

"هذه البضائع لم تكن مسالمة كما تبدوا، لقد كُتب عليها (Made In Israel)، هذه المنتجات تصنع على أنقاض بيوتكم المهدمة في أراضيكم المحتلة، في مصانع أنشئت فوق المستوطنات المغتصِبة لأراضيكم، ثم تباع لكم، فتدفعون ثمنها مرتين، مرة بالنقود التي تخرج من جيوبكم، ومرة بالرصاص الذي يخترق قلوبكم، وقلوب أهلكم وأحبابكم." هذا ما قالته لي المرآة، أو على الأقل، هذا ما بدت تريد أن تقوله لي، كانت ترجوني ألا أشتري أياً من هذه المنتجات الممزوجة بدمائنا، كانت تحثني أن أقاطع، وتدفعني نحو خيار المقاطعة، سألتها وأنا أشعر بثقل المهمة الصعبة التي أوكلتها إلي: "ولكن، هل أستطيع؟" لم أحصل على إجابة، ربما لأنها مجرد لوح زجاجي لا يمكنه أن يتكلم، أو ربما لأن الإجابة كانت واضحة جداً: "نعم، تستطيع، فخيار المقاطعة وإن بدا صعباً، لكنْ من بين الخيارات هو الأسهل".

تتزايد رقعة المقاطعة الدولية لإسرائيل يوماً إثر يوم، تهدف إلى عزل إسرائيل دولياً، وصولاً إلى مصير نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وهو هدف واضح ومعلن لحملة المقاطعة، تدركه إسرائيل بشكل جيد، وتخشاه أيما خشية.

لماذا المقاطعة بالذات؟
المقاطعة ليست خياراً جديداً، فهي أسلوب قديم جديد، والأمثلة على مر التاريخ كثيرة، وقد كانت في الأغلب سلاح الطغاة ضد المستضعفين، ابتداءً من مقاطعة قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والتي هدفت إلى ثنيه عن دعوته، مروراً بمقاطعة الولايات المتحدة لنظام فيدل كاسترو الشيوعي في كوبا، للتضيق عليه ودفعه إلى الانصياع لها، وصولاً إلى المقاطعة الخليجية لقطر، لكنَّ الفلسطينيين ضربوا الأمثلة في استخدام سلاح الطغاة ضدهم، مستفيدين من التجارب والخبرات الإنسانية في مقاطعة جيوش الاحتلال، كالمقاطعة الهندية بقيادة الزعيم غاندي للاستعمار البريطاني.

وقد استخدم الشعب الفلسطيني خيار المقاطعة في وجه الآلة الصهيونية منذ اللحظة الأولى للتواجد الصهيوني داخل فلسطين في عهد الاحتلال البريطاني، فرفض الناس التعامل التجاري مع الصهاينة، سعياً منهم الى إضعافهم اقتصادياً، وقد استعمل الفلسطينيون المقاطعة بأشكالها المتعددة (ثقافياً، وفنياً، وإعلامياً، وأكاديمياً) إيماناً منهم بأهميتها الكبيرة في نزع الغلاف الأخلاقي الذي يستر قبح إسرائيل، ما سيؤدي إلى انحسار روايتها، وبالتالي تراجع قدرتها على تسويق سياساتها العدوانية، وكذلك في تعجيل جهود بناء لائحة اتهام ضد سلطات الاحتلال بشكل قانوني يُبرز جرائم الاحتلال وانتهاكاته للقانون الدولي، وصولاً الى نزع الشرعية عن سلوكه العدواني، ومن ثم في المستقبل عن وجوده.

المقاطعة.. كابوس المشروع الصهيوني
تتزايد رقعة المقاطعة الدولية لإسرائيل يوماً إثر يوم، ومع مرور الوقت تأخذ أشكالاً جديدةً ومتنوعة، تهدف إلى عزل إسرائيل دولياً، وصولاً إلى مصير نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وهو هدف واضح ومعلن لحملة المقاطعة، تدركه إسرائيل بشكل جيد، وتخشاه أيما خشية، وتردد مخاوفها منه، وتعلن عداوتها له كلما سنحت الفرصة لها بذلك، وليس أدل من ذلك أن أول جملة قالها جلعاد إردان وزير الشئون الاستراتيجية في حكومة الاحتلال أول يوم في وظيفته:" لدينا خطران: الأول خطر إيران النووي، والثاني حركة المقاطعة ضد إسرائيل".

وهذا الخوف إنما هو نتيجة طبيعية لعدد ونوعية الإنجازات التي حققتها حركة المقاطعة عالمياً، والتي تتوزع في مجالات عدة، منها الثقافية والأكاديمية والسياسية، كالإجراءات التي تقوم بها بعض الحكومات ضد "إسرائيل" نتيجة الحملات التي تقوم بها الجاليات الفلسطينية والعربية، ويشارك فيها برلمانيون وحقوقيون، ومنها تعليق حكومة تشيلي المحادثات مع حكومة الكيان بشأن اتفاقية التجارة الحرة، إثر العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، وكذلك رفض العديد من الفنانين والمشاهير إقامة عروض أو حفلات داخل "إسرائيل"، ومقاطعة بعض الجامعات لجامعات وأكاديميين إسرائيليين، ولكن أشد هذه المجالات خطراً هي المقاطعة الاقتصادية، والتي أدت إلى خسائر فادحة للاقتصاد الإسرائيلي نتيجة سحب عدد من الشركات استثماراتها من داخل الكيان.

نشاط المقاطعة لا يزال نشاطاً موسمياً، ينشط في مواسم محددة، كأوقات الحروب والاعتداءات التي يشنها الكيان، وهذا يضعفه فالتأثير الذي حققته حركة المقاطعة مثلاً أثناء وبعد عدوان عام 2014 على قطاع غزة كان موجعاً ومؤثراً على إسرائيل.

المقاطعة.. ضرورة حتمية في وجه موجة التطبيع
أوضحت حركة المقاطعة دوماً أن هدفها هو الدعوة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، بل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها؛ بهدف عزلها دولياً، كما تعبر عن ذلك حركة ال BDS، ويفترض أن يعتمد هذا على مدى استجابة العالم لأهداف الحركة، لكن على أرض الواقع فإن مصدر أكبر خطر يهدد مستقبل حركة المقاطعة يأتي من الداخل متمثلاً بموجة التطبيع الشرسة، التي يتغنى بها قادة دولة الاحتلال طوال الوقت، والتي يقودها هواة الموجات المضادة في الوطن العربي، الذين يبدوا أنهم باتوا الآن يلعبون على المكشوف، ما يجعل موقف حركة المقاطعة حرجاً أمام الشعوب والحكومات، ولسان حالها يقول: "العيب اللي في الوجه ما بيتغطى ولا بيندس".

ورغم بعض النجاحات التي حققها سلاح المقاطعة، والذي بات يفرض نفسه بشكل قوي كلون واضح من ألوان المقاومة، إلا أن نشاط المقاطعة لا يزال نشاطاً موسمياً، ينشط في مواسم محددة، كأوقات الحروب والاعتداءات التي يشنها الكيان، وهذا يضعفه فالتأثير الذي حققته حركة المقاطعة مثلاً أثناء وبعد عدوان عام 2014 على قطاع غزة كان موجعاً ومؤثراً على إسرائيل، اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً، لكن سرعان ما زال هذا التأثير بعدها، لذا فالحاجة الآن تتجه إلى جعل نشاط المقاطعة نشاطاً يتصف بالتنظيم والاستمرارية، لا الموسمية!