خواطر حول فيلم (Dunkirk)

مدونات - دونكيرك
 
شاهدت مؤخراً فيلم (Dunkirk) للكاتب والمخرج كريستوفر نولان. الفيلم يروى قصة إجلاء مئات الآلاف من الجنود البريطانيين من مدينة دنكيرك الفرنسية إلى بريطانيا عبر البحر تحت قصف الطيران الألماني. يروي الفيلم قصة الإجلاء عبر ثلاثة قصص؛ قصة على الشاطئ الذي تتم عليه عمليه الإجلاء مدتها أسبوع، وقصة في عرض البحر لزورق مدني قادم من بريطانيا للمساعدة في إجلاء الجنود مدتها يوم واحد، وقصة في الجو لمقاتل يحاول إسقاط طائرات العدو الألمانية التي تقصف الجنود والسفن ومدتها ساعة واحدة، وتتلاقى هذه القصص كلها في لحظة واحدة قرب نهاية الفيلم.

تعرض الفيلم لبعض النقد على مستوى قدرة الكاتب على بناء شخصياته في الفيلم. فنحن لا نعرف أي شيء عن الأبطال سوى أنهم جنود يلوذون بالفرار. لا نعرف ماضيهم ولا دوافعهم ولا نعرف حتى أحلامهم الشخصية. كل ما نعرفه هو أنهم في هذه اللحظة بالذات يريدون الفرار وعبور البحر والعودة للوطن. نحن لا نعرف حتى ماذا ينتظرهم في الوطن!

في السينما عموماً، الشخصية هي الأساس لأي قصة. كل قصة هي عبارة عن "شحص ما يريد شيء ما صعب الوصول إليه. وعليه أن يحصل عليه قبل وقوع كارثة". هذا ملخص كل قصة فيلم. باتمان يريد أن يقضي على الجوكر قبل أن يدمر مدينة جوثام (The Dark Knight). "كوب" يريد أن يلج إلى عقل روبرت فيشر ليقنعه بتفكيك إمبراطورتيه الاقتصادية وإلا لن يستطيع أن يرى أولاده ثانية (Inception). الضابط مارتن يريد أن يقضي على سمكة القرش التي تقتل المصطافين قبل أن يضطروا إلى إلغاء موسم السياحة في المدينة مما يؤثر سلباً بشدة على اقتصادها (Jaws). "كال" يحتاج إلى أن يغير شخصيته حتى يستطيع العودة إلى زوجته قبل أن ترتبط بغيره (Crazy Stupid Love).

undefined

وبشكل عام، تحتاج الشخصيات إلى شيئين رئيسيين ليستطيع المشاهد أن يتعاطف معها:
أولاً: "ماضي Back story" نشعر أنه يؤثر على قرارات الشخصية، كمقتل والدا باتمان أمام عينيه وشعوره بالذنب، أو انتحار زوجة كوب وشعوره بالذنب كذلك تجاهها. وهو ما يجعل المشاهد يتفهم دوافع البطل ويتوقع قراراته، ويُصدم عندما يقوم البطل بفعل غير متوقع.

ثانياً: وهو مشهد "أنقذ القطة – Save the Cat" وهو مصطلح جعله كاتب السيناريو بلاك سنايدر اسماً لكتابه الذي يشرح فيه قواعد كتابة السيناريو. والمصطلح يعني ببساطة أن عليك أن تجعل البطل يقوم بـ"فعل" يجعل المشاهدين يحبونه ويتعاطفون معه حتى لو كان لصاً أو قاتلاً. شيء يجعل الناس تعتقد أن هناك شيء طيب بداخله يستحق الدعم. هذا الفعل قد يكون كالقفز في قلب الخطر لإنقاذ قطة صغيرة. مثلاً في فيلم (Sea of Love)، نرى هذا المشهد عندما رفض الشرطي "آل باتشينو" أن يلقي القبض على أحد اللصوص لأنه وجده مع ابنه الصغير، وقال "سأقبض عليك في وقت آخر". هذا مشهد يجعلك تشعر بأن هذا الضابط في قلبه رحمة ويستحق أن نتعاطف معه.

ما هي المشكلة في فيلم (Dunkirk)؟
أننا لا نعرف أي شيء عن الشخصيات. لا ماضي لديهم ولا قصص سابقة تخبرنا بأي شيء عنهم، وتجعلنا نتوقع ردود أفعالهم ونتفاجأ إذا خالفوها. الفيلم هو مجرد لوحة فنية مجردة عن "النجاة". كل الأبطال الثلاثة في القصص الثلاثة التي دارت على الشاطئ وفي البحر وفي الجو لا يريدون إلا النجاة وبأي وسيلة ممكنة. وبالتالي يمكنك أن تتهم الفيلم بسطحية شخصياته ولك الحق في هذا.

لكن في نفس الوقت استطاع كريستوفر نولان أن يعطينا بعض من مشاهد "إنقاذ القطة" التي تجعلنا نتعاطف مع الأبطال. فالرجل المدني صاحب الزورق الصغير أصر على إنقاذ الجنود مهما كان الخطر المحدق تلبية لنداء الواجب. وأصر على الذهاب لإنقاذ الطيار الذي هبط بطائرته في البحر رغم ضآلة احتمال النجاة. والطيار المقاتل لا يتخلى عن واجبه رغم تعطل مؤشر الوقود في طائرته. وهو ما أعطا المشاهد بعض التعاطف مع الأبطال، لكنه ظل تعاطفاً من مسافة بعيدة نوعاً ما لغياب أية معلومات عن الأبطال. ربما فقط عندما أعطانا المخرج معلومة في نهاية الفيلم أن ابن صاحب الزورق مات في الحرب زاد تعاطفنا معه.

undefined

العدو المجهول
حسب ما أتذكر لم أر وجه أي ألماني في الفيلم، رغم أن الألمان هم الأعداء. وبالتالي اختار نولان أن يبقى العدو غامضاً مبهماً مخيفاً. تكفي نظرات الجنود الواقفين على الشاطئ وهم ينظرون تجاه الطائرة الألمانية التي ستلقي عليهم القنابل لجعلك تتخيل كم هو مخيف هذا العدو. وبالتالي ليست الشخصيات الرئيسية فقط سطحية، بل كذلك العدو سطحي وغير معروف هدفه ولا نقاط ضعفه. هو فقط عدو مخيف.

الفيلم إذن يشبه الجزء الأخير من فيلم تيتانك، مشهد غرق السفينة ومحاولات النجاة بكل تفاصيله ومشاهده البديعة، كمشهد انتحار الضابط، وكمشاهد فرقة العزف الموسيقية التي مازالت تعزف رغم اقتراب الغرق.

بالتالي يبدو واضحاً أن هذا فيلم لا يتحدث عن قصة بطل، بل يتحدث عن فكرة مجردة وهي "النجاة". لا تهم صفات البطل الذي سينجو، ولا يهم أن نعرف إن كان يستحق النجاة أم لا. ولا تهم كذلك صفات عدوه ولا دوافعه. المهم فقط هو فعل النجاة بحد ذاته. ولهذا فالفيلم يحتوي على عدد كبير من المشاهد الجميلة التي تعبر عن هذه الفكرة. كالجندي الذي يسد أذنيه تحت الماء، والجنود الذي يقفون على المرسى لا يستطيعون التحرك بينما طائرة ألمانية تفتح عليهم النيران. وقد ساهم مونتاج الفيلم والموسيقى التصويرية في زيادة جرعة الشحن والتوتر والقلق لدى المشاهدين.

الفيلم إذن يشبه الجزء الأخير من فيلم تيتانك، مشهد غرق السفينة ومحاولات النجاة بكل تفاصيله ومشاهده البديعة، كمشهد انتحار الضابط، وكمشاهد فرقة العزف الموسيقية التي مازالت تعزف رغم اقتراب الغرق. وهذا نفس ما صرح به مخرج الفيلم كريستوفر نولان في مقابلة على موقع (Entertainment Weekly) عندما قال إن الفيلم يبدو أقرب إلى الجزء الأخير (ACT-3) من فيلم كبير. وهو ما يعني أنه يعرف جيداً أنه لم يصنع فيلماً عن قصة بطل ولكنه صنع فيلماً عن فكرة مجردة.

هل كان من الممكن أن يضيف كريستوفر نولان ساعة أخرى في بداية الفيلم، يضع فيها قصة متماسكة لكل بطل من الأبطال الثلاثة على الشاطئ وفي البحر وفي الجو، تجعلنا نقترب منهم ونفهم دوافعهم ونتعاطف معهم بشكل أكبر، مثلما فعل المخرج جيمس كاميرون في فيلم تيتانك، عندما ظللنا لأكثر من ساعة نتابع تطور قصة الحب بين جاك وروز قبل أن تبدأ مشاهد غرق السفينة؟! ألم يجعلنا هذا نتعاطف بشكل أكبر مع جاك وروز من تعاطفنا السطحي مع أبطال فيلم (Dunkirk)؟!

ربما!



حول هذه القصة

U. S. director Martin Scorsese speaks to the media during a press conference for his new movie "Silence" in Taipei, Taiwan, Monday, May 4, 2015. (AP Photo/Chiang Ying-ying)

صاحب مدرسة خاصة في فن الإخراج، ويراه النقاد أحد أكثر المخرجين تأثيرا ضمن أبناء جيله من صناع السينما المخضرمين، وطرق عبر أفلامه مواضيع جريئة كالهوية وعلاقة الدين بالأخلاق.

Published On 20/9/2015
The festival's international jury (L-R), British producer Paul Webster, Peruvian filmmaker Jonathan Relayze Chiang, Belgian-born producer Anne-Dominique Toussaint, Georgian director George Ovashvili, Moroccan writer-director Laila Marrakchi, Indian actress Radhika Apte, Egyptian director Marwan Hamed and Egyptian actress Dalia El Behery gather on stage during the opening ceremony of the 37th Cairo International Film Festival (CIFF), in Cairo, Egypt, November 11, 2015. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

يتواصل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدورته السابعة والثلاثين وسط ظروف سياسية وأمنية وفنية صعبة، مما أثار ردود أفعال وانتقادات من المشاركين والنقاد والجمهور، كما تأثر المهرجان بتداعيات حادث الطائرة الروسية.

Published On 18/11/2015
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة