الوطن.. وتدليس المفهوم

blogs - مصر

اعتاد السيسي في خطاباته التسولية الحديث عن التبرع "لمسر" والتحمل من أجل الوطن، وهو يصيبني بالذهول ليس فقط لطلبه الذي غالبا يُقصد به الفقراء وإنما لتكرار بعض داعميه هذا الكلام، فالمَعني بهذا الطلب هو الفقير الذين يتجرع مرارة الحياة وشظف العيش، وإلا فالأغنياء لن يترتب على تبرعهم بجزء ضئيل من ثرواتهم تحمل أي عبء مؤثر عليهم أو على أسرهم يتطلب أن يقوم الحاكم باستعطافهم لسداد هذا العبء.

وهذا هو الأمر الطبيعي، أن يُستقطع من الغني لصالح الفقراء، فسداد تبرع، أو خسارة ألف جنيه نتيجة ارتفاع الأسعار لن تمثل عبء على من دخله خمسين أو مائة ألف شهريا. فلن يثقل كاهله هذه النسبة البسيطة أو "الفكه" بالنسبة إلى إجمالي دخله، لكنها ستمثل عبئا على فقراء مصر الذين يمكن تقدير نسبتهم حاليا لما يزيد عن سبعين بالمائة.

لمن يريد أن نتبرع؟ للوطن وما هو الوطن، في اللغة الوطن هو: مكان إقامة الإنسان وَمقَرُّه وإليه انتماؤه ولد به أو لم يولد، فللوطن مكونين هما الإنسان والأرض، والأصل في الوطن هو الإنسان قيمته وانتمائه ثم تأتي بعدها الأرض، فالأرض بلا إنسان ينتمي إليه ويقيم فيه ليس وطناً وإنما هي قطعة أرض خارج مفهوم الوطن، فإذا كانت دولة سكانها مليون وماتوا جميعا فهي وطن من إذن؟!

الأجدر أن يتم التبرع للإنسان الفقير الذي هو شطر الوطن لتنمية انتمائه لوطنه من عوائد قناة السويس والبترول وغيرها من ريع الأرض التي نعيش عليها

هي وطن الأشباح، فالوطن هو الإنسان أولا والأرض ثانيا، فالأرض بلا إنسان ينتمي إليها ليس وطنا، ووجود الإنسان خارج وطنه لا يسلبه انتماؤه للأرض؛ لأنه لم يمت لكنه غائبا، فحياته هي التي تُكسب هذه الأرض صفة الوطن، وكما أن موت هذا الإنسان يجعل الوطن أرضا مفتقدة اسمها وطن، فإن الأرض تكتسب صفة الوطن عندما يقيم الإنسان عليها ويكون انتماؤه لها، فأينما حل الإنسان بأرض أصبحت ما تطأ قدماه وطن له ما لم تكن وطن لمن سبقه إليها.

هذا الأمر أوضح لي أني كنت مخطئ عندما كنت ألوم أجدادي في مصر، أو فلسطين، أو الجزائر، أو أي من أوطاننا على انسحابهم وهزيمتهم أمام الإنجليز، أو الصهاينة، أو الفرنسيين في أو قبل القرن الماضي، فبديل الهزيمة هي استمرار أجدادي في القتال حتى الموت، فالأرض عندنا نموت دونها شهداء برحمة الله، هل كان أجدادي جبناء؟ كلا.

لكنهم كانوا يعلمون معنى الوطن، فلو استمروا بالقتال حتى أخر رجل، وامرأة، وطفل عندها ستصبح الأرض بلا إنسان فلن يكون وطنا ولكن ستصبح قطعة أرض سلبها المُحتل، لكنها لم تعد وطنا لأحد بعد أن يُقتل أجدادي وأسرهم، ولكن هزيمتهم وقبولهم المذلة الجزئية أبقت لنا أوطاننا وإلا لما كانوا هم ولا نحن وما كانت أوطاننا التي استعدناها لاحقاً.

لمن يُطلب التبرع في مصر؟ الأجدر أن يتم التبرع للإنسان الفقير الذي هو شطر الوطن لتنمية انتمائه لوطنه من عوائد قناة السويس والبترول وغيرها من ريع الأرض التي نعيش عليها، لأن إرهاق الفقير خيانة للوطن الذي يحتاج إلى أن تنتمي إليه ليكتمل مفهوم الوطن، لا أن نقتل الفقير ونقتل انتماؤه إلى الوطن أو قل إلى الأرض.

وهو ما لمسه الجميع من ردود أفعال كثير من الأشخاص تجاه تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير، فتدني الإحساس بالانتماء للأرض (فلا وطن إذن) والخيانة، والفساد، والانفلات الأخلاقي والسلوكي تحت الضغوط المادية التي يفرضها السيسي من خلال رفع الأسعار، هي النتيجة الطبيعية لإنهاك الفقراء وقتل انتمائهم.

لكن الواقع أنك لن تجد أحد من الفقراء ظل على حاله قبل قدوم هذا الحاكم، بمعنى أن ما أخذته الحكومة هو نفس ما أُنفقته عليهملكن الواقع أنك لن تجد أحد من الفقراء ظل على حاله قبل قدوم هذا الحاكم، بمعنى أن ما أخذته الحكومة هو نفس ما أُنفقته عليهم
 
يجيب أصحاب التأييد الأعمى للحاكم هذا التبرع لإعمار الارض التي يحيا عليها الإنسان ليعيش المواطن، هكذا قد تكون الاجابة، لكن الرد عليها سهلا يسير: يتبرع الأغنياء ويدفع من يكنزونِ الملايين، لإعمار الارض التي جنوا منها هذه الأموال، لا أن يُؤخذ من الفقير حتى يموت أو أن يهجر الوطن ولن يستطيع تحمل تكاليف السفر، فهو بالكاد يكفي احتياجاته، والواقع أن هذه الأموال لا تذهب لإعمار الأرض التي نعيش عليها وإنما تذهب لتمويل مصروفات أكابر الدولة.

الضرائب تذهب لخزينة الدولة التي بدورها تنفق هذه الأموال لتمويل رواتب موظفيها من رئيس ووزير حتى أقل موظف بها، وتقديم الخدمات العامة للدولة ودعم الفقراء ودعم الصناعات، في النهاية أوجه الإنفاق متعددة، فمن يستحوذ على الجانب الأكبر من هذا الإنفاق، بحسبة بسيطة إذا كان الحاكم يرى أن يدفع للفقير والغني ويأخذ المبلغ ويعيد إنفاقه، إذن سينفق على من؟ على الفقير أو الغني أم إعمار الأرض وإصلاحها؟

إذا كان سينفق على إعمار الارض وبناء المصانع فالأولى أن يدفع الأغنياء لا ضريبة غناهم، ولكن حق إعمار الأرض التي يعيشون عليها ولن يؤثر ذلك سلبا عليهم، فإذا كان إنفاق الجزء الأكبر من هذه الأموال سيذهب إلى الفقراء فما كان السيسي ليطلب من الناس أن تتحمل، فهم سيجنون من الخير أكثر مما سيدفعون.

لكن الواقع أنك لن تجد أحد من الفقراء ظل على حاله قبل قدوم هذا الحاكم، بمعنى أن ما أخذته الحكومة هو نفس ما أُنفقته عليهم، وإذا كان سيتم إعطاءه مثل ما أُخذ منه، إذن لماذا يتم تعذيب الفقراء والاستقطاع من قوت يومهم وضروريات بقائهم أحياء؟ يبدو أن الهدف هو جعل مصر وطناً للأغنياء في مصاف الدول العظمى من خلال قتل الفقراء ليبقى الأغنياء فقط ونصبح كما يتمنى الحالمون عندما يستيقظون على تأييدهم لهذا الكابوس المُفزع.



حول هذه القصة

A farmer sieves wheat grains while harvesting wheat crop in Qaha, El-Kalubia governorate, northeast of Cairo, Egypt May 5, 2016. Picture taken May 5, 2016. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh

تعاقدت الحكومة المصرية على شراء كميات كبيرة من القمح في أقل من شهر، بوتيرة غير مسبوقة، بعدما انخفض توريد القمح المحلي.

Published On 26/7/2017
بعض المخابز لا تلتزم بإنتاج خبز مطابق للمواصفات

من المقرر أن تطبق مصر منظومة جديدة تحرر بموجبها سعر الدقيق والسولار للمخابز ابتداء من أغسطس/آب المقبل، وستبيع هيئة السلع التموينية طن القمح للمطاحن بسعر يعادل 222 دولارا .

Published On 30/7/2017
A statue of Isis (Saite period, between 570 and 526 BC) is displayed on September 7, 2015 at the Institut du Monde Arabe (The Arab World Institute) in Paris, during the exhibition 'Osiris, Egypts Sunken Mysteries' running from September 8, 2015 until January 31, 2016. This exhibition present the discoveries by submarine exploration of the European Institute for Underwater Archaeology (IEASM) in Aboukir Bay, undertaken by Franck Goddio, director of the excavation and curator of the exhibition. AFP PHOTO / FRANCOIS GUILLOT

أحبطت السلطات المصرية محاولة سرقة تمثال “إيزيس” المعروض بإحدى قاعات متحف آثار النوبة بمدينة أسوان. وإيزيس هي “ربة الأمومة” لدى قدماء المصريين الذين كانوا يعتبرونها مثالا على الزوجة الوفية.

Published On 24/7/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة