قبل أن نشرع في الحديث عن القدس، قد يظن البعض وأنا منهم، أن الحدث لم يعد له مذاق، فالكلمات مهما كانت معبرة ستظل باهتة في نظر من ذاق مرارة الهزيمة وحلاوة النصر، فالحديث لم يكن في يوم لهؤلاء الأبطال، بل هو لكل من ظن أن البطولة تحولت إلى أسطورة. قبل أن نتحدث عن القدس وأهلها، دعني عزيزي القارئ أقص عليك من أنباء، الجزائر وأهلها.
في يوم وصل شاب جزائري إلى مستشفى الأمراض النفسية، نحيل وجسمه مغطى بالكدمات، ولدية كسران في فكه مما اضطر الأطباء تغذيته عن طريق الحقن، مر أسبوعان حتى بدأت صحته في تحسن بعض الشيء، ما مكن الأطباء من إجراء الاتصال به، فبدأ في حكي قصته الدرامية. كان في صغره أحد المسؤولين الرئيسيين في الحركة الكشفية الإسلامية. ولكنه حين بلغ التاسعة عشر من عمره أهملها، من أجل أن يصبح أخصائيا ممتاز في حرفة الميكانوغراف، فلما بدأت الثورة في عام 1954، كان غارق في مشكلات مهنية، فلم يستجب لنداء حركة التحرير الوطني. وكان قد انقطع عن رفاقه، وجند نفسه لتحسين قدراته المهنية.
| لم أستغرب حين أرى الرعب يدب في أعماق محتل يحمل سلاحه في وجة جيوش جرارة من العزل. ولكن دائما ما يبهرني تلبية النداء، وكأن الجميع أصبح واحداً. |
في منتصف عام 1955، وأثناء سهرة عائلية، أحس فجأة أن أهله يعدونه خائناً. مع مرور الأيام ازداد شعوره بالانزعاج، فأصبح يتناول طعامه بسرعة منعزل في غرفته، ويهرب من البيئة الأسرية. وفي ذات يوم، بينما كان سائراً في الشارع سمع صوت واضح يصفه بالخائن. قرر عدم الذهاب إلى عمله والمكوث في غرفته، وفي أثناء الليل وافته نوبة، راح يسمع فيها أصوات في رأسه "يا خائن، يا جبان، إخواتك يموتون".
ظل ماكث في غرفته بلا شراب أو طعام فقط يبكي، يرفض أن يفتح باب غرفته لابويا، إلى أن خرج في يوم من بلحية تحمل من يراه على الشك في أنه مجنون، فخرج من البيت وظل يركض في الشارع إلى أن وجد نفسه في المدينة الأوروبية، فجنبه بياض بشرته أذي الدوريات الفرنسية، علي حين كان هناك جزائريان حواليه يتعرضون للضرب والتفتيش والإهانة. فقال في نفسه الآن يظن أهلي اني خائن فعلا، إلى أن نظر إليه بعض الواقفين من الجزائريين بنظرة احتقار، فاضطرب اضطراباً شديداً، وأسرع في الابتعاد.
وصل الركض حتى وصل إلى مبنى قيادة الجيش الفرنسي، وهجم على أحد عساكر وحاول أن ينتزع منه سلاحه وهو يصرخ "أنا جزائري" فقبضوا عليه وبعد تعذيبه، تبين أنه مريض نفسي فأرسل إلى المستشفى. قال للأطباء في نهاية حديثه "لم أرد سوى الموت، وحتى عند الشرطة كنت أمل أن يقتلوني من التعذيب، كنت أشعر بالسعادة حين أتعرض للضرب وكلما زاد كلما شعرت بسعادة أكبر، لأنه يبرهن لي على أنهم يعدوني أنا أيضاً عدواً لهم، أنا لست جباناً، لست امرأة، لست خائناً".
| كالعادة بعد كل انتصار، انتفاضة فلسطينية من رماد الاستعمار، يبدأ الجميع في فرد مساحات واسعة من الحديث المعسول المختار بعناية عن القدس وشعبها، عن النضال والشهادة، وأن القدس لنا. |
قد آمنت من قبل أن للمسجد الأقصى قدسيه، ولنا عليه الحفاظ على حرمته، لكني آمنت أكثر إن للبيت رب يحميه ورب البيت أهله. لم أستغرب حين أرى الرعب يدب في أعماق محتل يحمل سلاحه في وجة جيوش جرارة من العزل. ولكن دائما ما يبهرني تلبية النداء، وكأن الجميع أصبح واحداً، بالتخلف يوم الزحف عار، وعار الكرامة لا يمسح. وكأن أصحاب القضية ينتهزون كل فرصة ليقولوا لنا "لسنا خائنين كما تصفونا، لم نبع أرضنا كما تتهمونا".
وكالعادة بعد كل انتصار، انتفاضة فلسطينية من رماد الاستعمار، يبدأ الجميع في فرد مساحات واسعة من الحديث المعسول المختار بعناية عن القدس وشعبها، عن النضال والشهادة، وأن القدس لنا حتى وإن كان بالكلمات. لكني توقفت تلك المرة عن الحديث، أشاهد في صمت لا أدري إن كان من دهشتي أم من عجزي. فلا توجد كلمات تحي الموتى، أو تثلج صدر اشتعلت فيه نار لا تنطفئ، ولم أظن أني قد أدخل في خضام منافسة في الإطراء.
وظللت أتابع الأحداث دون هدف، أتأمل الوجوه الغاضبة في رحمة، والساكنة وبداخلها ألف بركان، أري أطفال قد نضجوا قبل الأوان، ونساء تركت رداء الأنوثة في المنازل ولبست درع المحاربين، رأيت حقيقة الحياة في كرامة تأبي أن تستسلم، رأيت أن في القدس لا يتخلّف أحد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

