سنة ثالثة هندسة

مدونات - جامعة

لا أدري إن كنت على مقدرة على كتابة هذا الكلام وأنا على مشارف سنتي الثالثة فقط في كلية الهندسة، أم أن عليّ الانتظار أكثر لأكتشف إن كان كلامي واقعيٌ أم لا؟! لكن بعد إنهائي لسنتي الثانية في كلية الهندسة، شيء من الإحباط يلامس قلبي بسبب الاستياء الذي تعرض له عقلي.

لم أكن يوماً أظن أنّه إذا اخترت أن أرتاد كلية الهندسة في الجامعة أنّي سأحصل على كمّ هائل من العلمِ والمعرفة التي تؤهلني لأكون مهندساً في المستقبل، كنتُ على دراية أنّ الجامعة هي مرحلةٌ تضع فيك أساسيات وتبني فيك قاعدةً لتصبح قادراً -بعد أن تغادرها- على تعلمِ ممارسة التخصص الذي اخترتْه، لكن للأسف تصل هذه الفكرة لدرجة مخيفة تجعلك قلقاً بشأن كل معلومة لم تقدر على حشوها في عقلك مع بقية المعلومات، وتتساءل هل من الممكن أن أندم في المستقبل على عدم فهمي لهذه المعلومة اليوم؟ أم أنّ الأمر ليس بهذه الصورة؟

نتعرض خلال الفصل الدراسيّ، خصوصاً إذا ما كان مزدحماً بمواد من التخصص، لكميةٍ كبيرةٍ من المعلومات التي يرتبط معظمها بمعلوماتٍ أخرى كنا قد حشوناها أصلاً في عقولنا من المواد الاساسية-أي في مرحلة ما قبل مواد التخصص- ونضطر دائماً إلى محاولة تجميع قدر كافٍ من هذه المعلومات ليلة الامتحان وفق لأهواء الدكتور وبحكم ما "يّركز" عليه في أسئلة الامتحانات السابقة، حتى إذا اضطّر أحدنا إلى تعلم كيفية حل السؤال لا كيفية استخدام المعلومة، في سبيل الحصول على علامة السؤال!

لا نصدّق أنّ أي علمٍ سهلٌ لدرجة أن ينحصر بدفترٍ أو بعدة ملاحظات. نؤمن أننا نتعلم عندما نخطئ وأننا يجب أن نفهم لماذا قبل كيف.

إنّ نواتج النظام التعليمي في بلادنا منذ المرحلة الأساسية في المدرسة وحتى السنة الأولى في الجامعة، القائم على مبدأ تكديس المعلومات بشكلٍ مرعب داخل عقول الطلاب، تظهرُ عند بدء الطالب بتعلم أو لأقل دراسة علوم التخصص الذي يرتاد كليته، حيث يشعر بالضعف أحياناً إذا تعرض لموقف اضطر فيه إلى استعمال معلومات سابقة لفهم معلومة جديدة لكن يكتشف أنه غير قادرٍ على تذكرها لأنه وللأسف كان قد حفظها عن ظهر قلب في ليلة امتحانٍ ما ونسيها بمجرد أن غادر قاعة ذلك الامتحان..

نظام تعليمي قادر على سلخ آخر آمال طالب كان قد ارتاد كلية معينة ليُتقن علماً رأى فيه مستقبلا له. ولكي نكون واقعيّن هنالك بعض من الطلاب قادرين على التعايش مع هذا النظام بشكل سلس، حيث لا يجدون من المعاناة ما يجد أمثالي، وتراهم قادرين على ربط كل ما تعلموه وفي أي لحظةٍ شاءوا. لكنّي أرى فيهم الاستثناء لا العموم!

وهنالك نوعٌ آخر من الطلاب الذين يعشقون هذه النظام، بحيث أنهم قد يعتذرون عن حضور أغلب محاضرات مساقٍ ما إذا وجدوا مصدراً يسمح لهم بالحصول على مطلبهم، ألا وهو العلامة الكاملة في الامتحان.

أمّا أنا ومن يؤيدُني في كلامي، نؤمن أن من طلب العلا سهر الليالي؛ سهِر الليالي محاولاً فهم الخطأ الذي ارتكبَهُ في معادلةٍ ما، أو سهِر الليالي يراجع نتائج تجربة لم توافق النتائج المتوقع حدوثها. لا سهِر الليالي محاولاً خلق مساحة كافية في ذاكرته تتسع لما يفهم ومالا يفهم من المسائل والمعلومات. لا نصدّق أنّ أي علمٍ سهلٌ لدرجة أن ينحصر بدفترٍ أو بعدة ملاحظات. نؤمن أننا نتعلم عندما نخطئ وأننا يجب أن نفهم لماذا قبل كيف.

إنّ للمعلمين برأيي الفرصة الأكبر في ترك أثرٍ لدى الطلاّب في هذا الموضوع، فمثلاً تراني أجد في بعض المدرسين مثالاً لما كنت أبحثُ عنه قبل دخول الجامعة. بعضٌ منهم تستشعر فضلَهُ عليك في المستقبل منذ الآن، والآخر ترى بأنه قد يكون سبباً في خيبة أمل قد تتعرض لها في الغد. طبعاً لا علاقة بالتحصيل الأكاديمي عند كل دكتور، بأي الطائفتين هو.

لكلِّ من يوافق على هذا الكلام، ولكلِّ من يرى بأنه قد ظلم بسبب هكذا نظام، عليه أن يُدرك بأن المستقبل لا يتوقف على عدّة سنوات أو على بضعة أشخاص، وأن الأحلام تتحققُ قدر السعي لها لا قدر الاعتراض على الواقع وإن كان الاعتراض في محلّه.