معضلات تكوين الدولة الحديثة (2)

blogs مجتمع

تحت هذا العنوان تطرقنا في مساحة سابقة عن أهم المعضلات التي أعاقت تكوين الدولة الحديثة، وذهبنا في تحليلنا إلى سببين وهما: السياسي والمجتمع كقاعدة عامة، وقلنا أن عندما فشل السياسي في بناء مجتمع حديث ذهب إلى بناء دولة حديثة وأصبحت دولة شكلية (حديثة من الخارج وبدائية من الداخل)، والمجتمع أيضاً أعاق تطوير الدولة في تعطيله للقانون برفضه بطريقة أو بأخرى لقوانين الدولة الحديثة. وخلصنا إلى أن الثقافة السائدة في المجتمع هي المحك أمام أي تغيير لبناء دولة حديثة. أما المعضلة الأساسية التي وقفت حجر عثرة أمام بناء الدولة الحديثة التي ينشدها هذا الجيل هي القبيلة، وهي أيضاً تمثل قاعدة لانطلاقة المجتمع والسياسي فهي الوعاء الأخير الذي يلجأ له الطرفيين.

إذن كيف أعاقت القبيلة تكوين الدولة الحديثة؟
إذا أردنا أن نبحث عن إجابة على هذا التساؤل لابد لنا أن نسقطه على الواقع السوداني منذ أن كان تحت "الاستعمار" أو الاحتلال البريطاني الذي استقل التماسك القبلي في المجتمع السوداني وقِلة التعليم لتثبيت أركان دولة "الاستعمار"، لقد قام بتوسيع سلطة القبيلة في إدارة الشأن المحلي "المناطقي" ، وخول لها سُلطة إنفاذ القانون بكل مستوياته، وسُلطة حل المنازعات على كل مستوياتها، إن كانت داخل القبيلة أو خارجها بين قبائل أُخرى. وتكفل هو بمتابعة ما يمكن أن يُسمى بالجرائم السياسية التي تُريد توعية المجتمع، وتنويره، وهذه الأصوات التحررية؛ وما دون ذلك فهو من صلاحية القبيلة.

 

بالمقابل كان يوفر كل الامتيازات لقيادات القبائل من دعم عيني، وتسجل هكتارات من الأراضي حكراً لهم، وتعليم أبناءهم على النهج الذي يُريده هو. إن مثل هذه الامتيازات أنشأت لنا أحزاب عقائدية تطغوا عليها سُلطة القبيلة "الأبوية" وأنتجت لنا موروث من الثقافة "الخنوعية" وتعتبِر أن الشخص الأكبر لديه معرفة أكبر حتى وإن كان غير متعلم، وهذه بدورها كارثة نظرية الانصياع للأكبر بالرغم من أنه لا يعلم شيء وهذه الثقافة خرجت للمجتمع في شكل أمثال شعبية من قبيل (أكبر منك يوم أعلم منك دهر)، أو مثل (القلم مابزيل بلم)، مثل هذه الأمثال "النكوصية" التي تعطي مساحة السيطرة للأكبر جعلت منّا مجتمع يسعى دائماً لإرضاء الأكبر وإن كان الأكبر لا يفقهُ شيئاً.

عندما ننظر إلى واقعنا اليوم نجد أن القبيلة مازالت لها حضور بين الأحزاب، لكن الوضع اختلف قليلاً؛ فيما مضى كانت القبيلة هي من توجه رجال الأحزاب، وكان التمحور حول حزبيين، أما الآن الأحزاب باتت تتنافس في ميل القبيلة لصفها

إن النخبة التي قادت استقلال البلاد والتحول لبناء دولة وطنية حديثة نشأت في ظل هذا المجتمع، وفي كنف أحزاب تستمد سُلطتها "الشرعية" من القبيلة وكبارها، وفي ظل قِلة في التعليم فكيف لها أن تُبني دولة وطنية حديثة؟

لقد فرضت سُلطة الأحزاب "الأبوية" على جيل التشكُـل الوطني أن يتبعها وينفذ برنامجها من أجل كسب المشروعية السياسية، والحصول على التزكية البرلمانية بحصد الأغلبية لأن هذه الأحزاب وحدها من تستطيع الحشد والتوجيه للأغلبية الساحقة من الشارع؛ لأنها تستطيع تحريك القبيلة، والتي بدورها تستطيع تحريك بقية الشعب عبر الأمر "الأبوي" الذي تتمتع به. وبالطبع لا أحد يستطيع مخالفة أمرها لأنها تُشكل الحماية للفرد.

عندما ننظر إلى واقعنا اليوم نجد أن القبيلة مازالت لها حضور بين الأحزاب، لكن الوضع اختلف قليلاً؛ فيما مضى كانت القبيلة هي من توجه رجال الأحزاب، وكان التمحور حول حزبيين، أما الآن الأحزاب باتت تتنافس في ميل القبيلة لصفها، على الرغم من أنها لم تبقى لها تلك المقدر على حشد الجماهير لكن الأمر فقط من أجل رمزية هذا الكيان، بل الأسوأ من ذلك امتد التنافس على القبيلة من الأحزاب إلى داخل الحزب الواحد من أجل دعم طرف للصعود دون الأخر وهذا مقاله رئيس الحزب الحاكم في السودان وإلقاءه "انتخاب الولاء" (حكام الأقاليم) بسبب تنافسهم القبلي للوصول للحكم. إذن القبيلة هي معضلة أساسية في إعاقة عملية التغيير فيبقى السؤال كيف لنا معالجة هذه المُعضلة؟

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان