بقدر من الصعوبة الآن يستدعى عقلي مشهد الثالث من يوليو.. القائد العسكرى للبلاد يتلو بيان انقلابه برعاية مدنية، يبدو واثقاً، هادئاً، مطمئناً إلى قوته، لا تخلو ملامح وجهه من همّ مصطنع وكأن حِمل البلاد على كتفه ثقيلاً، ها قد اتفقنا على تعطيل الدستور وعزل الرئيس، وعقابكم على ثورتكم!
كنّا كمن أُلقي في بحرٍ لا قرار له، مزيج من التِيه والعجز، وكأن ستارة سوداء أُسدلت على مشهدٍ صاخب لم يكتمل، عامان ونصف من الوقوف والتعثر، الحلم والإحباط، المناقشات وأرق الاختيارات، الخوف الذي انزوى أمام الحماسة، الأنشطة الثقافية والفكرية التي تبنى نفسها، التجربة السياسية التى تصحح أخطائها، بـاضطراب نعم، لكنها ماضية في طريقها، عامان ونصف من الحياة!
فجأة، وكأن شيء من هذا لم يكن، لحظتها بكيت كثيراً، لا أعرف لماذا تحديداً، لكنه شعور المسروق غدراً ولا حيلة له، كانت الأمور واضحة مآلاتها، لكنّ أملاً كذوب جعلني أظن أنه ربما ثمّة مخرج ما مُلقى على قارعة الطريق يمكننا تلقفه، هاتفت أستاذي أسأله ماذا يمكن أن نفعل، أجابنى: لا شيء! قُضى الأمر وما سنفعله هو مقاومة أخلاقية لا أكثر، نثبت بها رفضنا أو بالأحرى وجودنا!
| مع كل ما مضى وما هو آتٍ، مع دمنا الرخيص وأعمارنا المعروضة للمراهنة من العدو والصديق، مع الشتات وذهاب الأمان واختناق الأرض بنا وعلينا، مع كل هذا؛ سيبقى عزائي أننا بذلنا استطاعتنا في عدم التطبع بالظلم والتطبيع معه. |
(2)
سنوات أربع مرّت، كان فيها الكثير والكثير جدا مما تنوء بحمله الذاكرة وتتشقق به الروح، لم يعد شيء على الإطلاق كما كان، أحلامنا وأمنياتنا، مخاوفنا التي لم يعد سقفها بعيدا بل تزاوجت وتعاظمت حتى صارت غمامة لا تبرحنا، الأهل والصحبُ، الفكر والمشاعر، كل شيء أُعيد تشكيله على مدار تلك السنوات بقسوة ظنناها لا تُحتمل، لكنها مرّت ولازالت تمر!
سنوات أربع تغيرت فيها خرائط شبكاتنا الاجتماعية، وأصبح مدار القرب والبعد توافق الفكر والأخلاق المبدأي، لُحمة اجتماعية تقوّي بعضها وتحمي وجودها بضرب السياج من حولها، فلم تعد صلة الدم كافية ولا طول العشرة باقية، بل هو الموقف من الدمّ والظلم.
سنوات أربع نضجت فيها أفكار، واستجدّت أخرى، بينما احترق أكثرها في أتون التجربة والاختبار، حيث أصبح كل أمرٍ خاضع للنقد ومنتظراً للإثبات، وعلى ميزات هذا ومسالبه، فإنّ وعياً حقيقياً يتكوّن من الشهود والمعايشة أفضل من الاتكاء على إرثٍ سابق لم يتجاوز زمانه.
(3)
اليوم، وقد استقر الأمر لحاكم البلاد العسكري، ولا يبدو في الأفق انفراجة قريبة، وتطفو المنطقة بأسرها على صفيحٍ ساخن حتى أصبح سؤال الثورة مشكوك فيه، بل سؤال الحرية أصلاً ومدى استحقاقه لمجتمعاتنا العربية مع كُلفة ثمنه وتخاذل الكثيرين عنه، مع كل ما مضى وما هو آتٍ، مع دمنا الرخيص وأعمارنا المعروضة للمراهنة من العدو والصديق، مع الشتات وذهاب الأمان واختناق الأرض بنا وعلينا، مع كل هذا؛ سيبقى عزائي أننا بذلنا استطاعتنا في عدم التطبع بالظلم والتطبيع معه، وأن لنا في كل شارع من شوارع المحروسة بصمة رفض وعريضة اتهام، وأننا حاولنا من القاهرة الحفاظ على شريان الحرية حيّا في دماء حواضر الربيع العربي.. عزاؤنا أننا زاحمنا المستبدين في قصورهم وأفسدنا عليهم هدوءهم فلم ينعموا بظلمهم وسكوتنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

