لا تسرقوا انتصار المقدسيين

Saudi Arabia's King Salman bin Abdulaziz Al Saud waits to greet U.S. President Donald Trump, as he arrives to attend a summit of Gulf Cooperation Council leaders in Riyadh, Saudi Arabia May 21, 2017. REUTERS/Jonathan Ernst
"يسرقون رغيفك.. ثم يعطونك منه كِسرة.. ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم.. يا لوقاحتهم". غسان كنفاني.
ليتك يا غسان تدري ما أحدثوا بعدك! فلو أدركت هذه الأيام العصيبة، لعرفت أن الوقاحة لم يصلوها قبل اليوم، فقد سرقوا جميع الخبز، ولم يعطونا منه رغيفا واحدا، لقد كان سلفهم "صالحا" يسرق الرغيف ثم يتصدق علينا بشيء منه، أما خلفهم من الحكام الأغنياء الأغبياء، فإنهم سرقوا رغيف الخبز، وتراب الوطن، وثروات الأرض والسماء، ما ظهر منها وما بطن، وأحلام الشعوب، وثورات الأمة، ثم جاؤوا يسترون خيانتهم ونفاقهم، بسرقة انتصارات المرابطين وتضحيات الأحرار.. ويطلبون منا أن نشكرهم على كل ذلك.. ونصفق لبطولاتهم الوهمية!

لقد سلخ المرابطون في مدينة القدس أسبوعين من عمر الزمن.. وهم يواجهون حصارا مطبقا على بوابات المسجد الأقصى، وجنودا مدججين بالسلاح، وأنواع أدوات القمع، يواجهون كل ذلك بالتظاهر والتجمهر والاعتصام، و ما خف من الوسائل وكبر في وجه العدو الجبان، ولم تمض أيام حتى خرجت جموع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من المساجد والحارات في جمعة الغضب للأقصى، ثم اشرأبت أعناق المقدسيين وجموع المسلمين، لسماع أصوات منابر عهدوها صداحة، وتطلعوا لقراءة فتاوى علماء عهدوهم كثيري الفتوى و التدوين والتغريد فيما يهم الناس وولاة الأمور، وهم ينتظرون هذا بعد أن نفضوا أيديهم من "الجامعة العربية" والأنظمة الرسمية التي كان آخر ما يرتجي منهم الشجب والتنديد، وقد تخلت عنه منذ زمن طويل، واختارت التطبيع، والسير في ركاب مصالح العدو الصهيوني بشكل مكشوف.

الجميع يعلم أن من انتصر على الصهاينة وأجبرهم على فتح أبواب المسجد الأقصى والتراجع عن مخططاتهم هم المرابطون والحاملون أرواحهم على أكفهم مما يقدمون للأقصى أجسادهم وأوقاتهم وأموالهم.الجميع يعلم أن من انتصر على الصهاينة وأجبرهم على فتح أبواب المسجد الأقصى والتراجع عن مخططاتهم هم المرابطون والحاملون أرواحهم على أكفهم مما يقدمون للأقصى أجسادهم وأوقاتهم وأموالهم.

وبعد انتظار طويل لمواقف "علماء الحرمين"، وفقهاء "منتديات السلم"، و"ملوك الحزم والعزم".. كُسِرَ فيه الحصار، وأزيلت فيه البوابات، فوجئ الناس بعناوين كبيرة على واجهات إعلام "الهامبرغر" تنسب ما تحقق من إزاحة للبوابات وكسر للإرادة الإسرائيلية لفضل جهاد "الزعماء والملوك" وجهودهم الدبلوماسية العظيمة! وهنا تحضرني كلمة عمرو بن العاص حين وفد على مسيلمة الكذاب، وكان ذلك قبل أن يسلم، فقرأ عليه مسيلمة كلاما يدعي أنه قرآن أنزل عليه، فقل له عمرو: "والله إنك لتعلم أني لأعلم إنك تكذب!".

زوال إسرائيل قد يسبقه زوال أنظمة عربية عاشت تضحك على شعوبها، ودمار مجتمعات عربية فرضت على نفسها الوهم والوهن، قبل أن يستذلها العم أو الخال، وقبل أن ينال من شرفها غريب.

لقد جمع هؤلاء بين التخاذل في المواقف والوقاحة في التعبير، فطوال أيام المواجهة كانوا في حالة سبات عميق، وصمت مطبق، ثم بعد الانتصار وكسر الحصار، خرجوا من كهفهم يتباهون بانتصار لم يشاركوا فيه ببذرة من جهد، ولم يدعموه بتصريح ولا بيان، وقد عرفناهم من قبل كثيري البيانات، شديدي اللهجة، سريعي التحرك حين يتعلق الأمر بحصار الأشقاء، وظُلم الأقربين، فكانوا كأنما يجددون اليوم خُلقا من أخلاق المنافقين الأقدمين، "الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ".

فالجميع يعلم أن من انتصر على الصهاينة وأجبرهم على فتح أبواب المسجد الأقصى والتراجع عن مخططاتهم هم المرابطون والحاملون أرواحهم على أكفهم مما يقدمون للأقصى أجسادهم وأوقاتهم وأموالهم.. بكل شغف وشجاعة وبسالة، أما الحكام وجهودهم و اتصالاتهم.. فليواصلوها "كثر الله خيرهم" حتى يحرروا آخر شبر من فلسطين مادام الأمر بهذه البساطة.

والشيء بالشيء يذكر، فإنني ما زالت أذكر مقولة الإمام محمد الغزالي رحمه الله: "إن زوال إسرائيل قد يسبقه زوال أنظمة عربية عاشت تضحك على شعوبها، ودمار مجتمعات عربية فرضت على نفسها الوهم والوهن، قبل أن يستذلها العم أو الخال، وقبل أن ينال من شرفها غريب، إنه لا شيء ينال من مناعة البلاد، وينتقص من قدرتها‮ ‬على‮ ‬المقاومة‮ ‬الرائعة‮ ‬كفساد‮ ‬النفوس‮ ‬والأوضاع،‮ ‬وضياع‮ ‬مظاهر‮ ‬العدالة،‮ ‬واختلال‮ ‬موازين‮ ‬الاقتصاد،‮ ‬وانقسام‮ ‬الشعب‮ ‬إلى‮ ‬طوائف،‮ ‬أكثرها‮ ‬مطيع‮ ‬منهوك‮ ‬وأقلها‮ ‬يمرح‮ ‬في‮ ‬نعيم‮ ‬الملوك‮".. رحم الله الغزالي ما أجمل تعبيره، وأصدق استشرافه.